أصبح أمراً واضحا غياب المواطنين بالذات عن الفعاليات الثقافية والفنية، وبالرغم من ان الإشارة إلى الظاهرة ليست بجديدة، إلا ان كل ما قيل حولها، وما تم لم يحرك ساكنا حتى الآن، فقد كانت الصحافة أول من بادر إلى إضاءة إشكالات هذه الظاهرة عبر المزيد من التحقيقات والتحليلات والاستطلاعات والحوارات المطولة، بل تعدى الأمر بعد تحريك المياه الراكدة إلى تبني بعض الجهات والمؤسسات المعنية بالثقافة، إلى إقامة محاضرات وندوات وتضمينها عنصر الغياب هذا، لجعله على محك البحث والتمحيص.

وتعالت أصوات مثقفة ونخبوية من اجل بحث الأمر وعدم ترك التظاهرة في تفاقمها المستمر. الغريب والمثير للأسئلة فعلا، هو ان هذا الغياب يأتي في ظل زخم من النشاط الثقافي لا يغيب عن يوميات الساحة، فخلال السنوات الخمس الماضية على اقل تقدير، صار لدينا فعل ثقافي وفني يملأ بحركته ونشاطه ساعات اليوم، ويغطي أجندات شهرية وموسمية، ولكن استمر ويستمر هذا الغياب.

حتى المؤسسات الثقافية نفسها تشكو غياب أعضائها عن أجندة فعالياتها، وهناك ملتقيات وندوات وجلسات تتجاوز حدود المكان في قضاياها ومن خلال الضيوف المشاركين فيها من خارج الدولة، تنغلق على ذاتها، ويبدأ هذا الغريب عن المكان من على منبر الحديث، في تقليب بصره بحثا عن متخصص محلي في مجاله، وكم سمعنا عبارة: أين المعنيون بهذا الأمر؟.

كما كانت تتبادر النكات والتندرات، وتذهب بعيدا في استنكارها لواقع الحال، حينما يتندر البعض بالقول: ان النشاط الثقافي النوعي بحاجة إلى مغريات لجر رجل متلقيه الحقيقي، ولا مانع اذا ما أقيمت الندوة أو الأمسية أو جلسات ملتقى أدبي أو فني مدعوما بكوبونات يتبارى فيه الحضور على مسابقة سحب، مقابل تواجدهم في المكان.

من أي مكان يمكن ان نلج إلى حل هذه الظاهرة الغريبة؟ ولماذا أصلاً يغيب أصحاب الشأن الثقافي عن شأنهم، أو ما يفترض انه يشكل همهم. تقام للرواية، أو للقصة محاضرة أو ملتقى ولا يحضر فيه الروائيون ولا القصاصون، تقام ندوة مسرحية، فيها من الهموم الفكرية ما يهم، ولا يحضر المسرحيون، يقام أو يفتتح أو يزور معرض فني البلاد ولا يأتي اليه التشكيليون المحليون من باب الاحتكاك بالتجربة أو الاطلاع عليها، أو حتى التمظهر العادي.

هذا الغياب يحضر حضورا قويا، وحاله أو واقعه ينسحب على مجالات مختلفة في إطار الثقافة وجوانبها المختلفة. في إحدى المداولات حول النقطة ذاتها، قال شاعر حداثي محلي معروف معلقا: يبدو ان جماعتنا صاروا أهل بزنس، وما عندهم وقت، «هناك من لديه شركة صغيرة، وآخر امتلك رخصة تجارية وصار مشغولا بهمومها»، وكان التعليق مردوداً عليه في ذلك الوقت.

الطامة الكبرى، هي أننا اذا لم نتداول منجزنا إبداعيا وثقافيا عبر التواصل واللقاء والحوار والاختلاف، من أين ستنشأ حالة فكرية ونقدية مواكبة لهذه المنجزات؟ على أيام زمان ويوم كان النشاط الثقافي يقام فقيرا وبسيطا وفي أماكن ضيقة! كان مبدعو البلد يكتظون في ساحته. فهل تغير الهوى!.