في الغرب اليوم، لم يعد النقاش حول صلة الدين بالمجتمع والدولة وتحولات أزمنة الحداثة، على أحواله المنصرمة. ذلك أن الثنائية الضدِّية التي زامنت التنوير والعلمنة والإصلاح الديني على مدى القرون الثلاثة المتعاقبة، باتت على ما يظهر أدنى إلى صفحات مطويَّة في التطورات الحضارية المعاصرة. وليست الحوارات المفتوحة داخل المسيحية الغربية، بشقيها الكاثوليكي والبروتستانتي، وما بينها وبين العلمنة، سوى ترجمة للقاء يراد له أن يستوي على نشأة جديدة.
لكن النقاش في لقاء الأديان وتحاورها، لم ينفصل عن المناخ الذي شاع بقوة بعد اللقاء الشهير بين بابا الفاتيكان بنيديكتوس السادس عشر والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، العام الماضي. يومها كانت دعوة معلنة إلى البحث عن سبيل يحقق الوئام، وينهي القطيعة التاريخية بين الإيمان المسيحي والدولة العلمانية في الغرب. ولقد بدا واضحاً مدى الأهمية التي انطوت عليها تلك الدعوة، بالنسبة للغرب المسيحي المشغول بهواجس العلاقة مع الأديان العالمية الأخرى، وخصوصاً مع الإسلام وشعوبه.
الاستدلال العميق لمثل هذه الدعوة إلى الالتقاء بين الدين ومجتمعات ما بعد الحداثة، هو الإحساس الذي يسود أوساط النخب الدينية والعلمانية، بضرورة إنجاز منطقة معرفية تضع حداً للاختصام المزمن بين الإيمان والعلمنة. والشيء الذي لا مناص من تظهيره في هذا المجال بالذات، هو حال الوحدة وعدم الانفصال بين المسيحية والحداثة.
وفي محل ما من النقاش، يمكن لنا القول إن الحداثة بأحيازها الفلسفية والمعرفية والإيديولوجية، لم تكن ـ حسب الكثير من نقاد العلمنة المعاصرين ـ سوى فعلٍ اعتراضي على سلطة الإيمان، يتغيَّا تصويب مسارها. وهكذا سنرى أن الدين، ولو توارى في لحظة تاريخية عن الإمساك بناصية الغرب، إلا أنه بقي حاضراً وحياً في تطوراته ومنجزاته.
لقد غطى سؤال الدين، على ما نعرف، خطاب الحداثة برمته. فلو عاينَّا قليلاً، شيئاً من هذا الخطاب، ولاسيما الفلسفي والسوسيوتاريخي منه، لعثرنا بيسر على أصله الديني، كما لو كان أمر الحداثة في حقيقته أمراً دينياً. حتى أن هناك من لاحظ أن للحداثة صفة التعالي، فرأى إليها، رغم دنيويتها الصارمة، بوصفها ميتافيزيقا، أو هي قاب قوسين أو أدنى لتغدو كذلك.
فالحداثة من قبل أن تُشرع سيوفَها شرعت أسئلتها، وهي أول ما سألت، ساءلت المسيحية المؤسسية كخصيم بلا هوادة. لكنها حين مضت في السؤال لتمنح نفسها بعض اليقين، هبطت إلى عمق الزمان الديني. كانت الحداثة حين فعلت هذا، ميتافيزيقية، لأنها بحثت عن اعتلائها الأرضي في تاريخ الدين، ثم أرادت أن تحتله لتقوم مقامه، حتى وإن قُضي الأمر على أبحر من الموتى، كما حدث في الإرهاصات الدامية للثورة الفرنسية.
كان سؤال الحداثة في الغرب، إذاً، ميتافيزيقياً. وعلى ما نعلم فإن كل سؤال يأخذ هذا البعد، يحيط دائماً بمجمل إشكالية الفضاء الذي منه جاء، ويكون في كل مرة هو هذا المجمل نفسه. وإذاً ـ كما يقول الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر ـ لا يمكن لأي سؤال ميتافيزيقي أن يُطرح دون أن يكون السائل، بما هو سائل، مُتَضمِّناً هو نفسه في السؤال؛ أي عالقاً في هذا السؤال.
هكذا لم تغادر المسيحية هواجس حضارة الغرب، لا في حداثتها الأولى، ولا في طورها ما بعد حداثي. ظلت الكنيسة هي باعث الحراك الفكري، والفلسفي، والاجتماعي. دائماً ظل كل تجاوز تسعى الحداثة إليه، يتأسس على معيارية مخاصمة الكنيسة.
ولقد بدا هذا الفعل وكأنه تقليد يجري برضا الكنيسة نفسها، كما لو كانت المؤسسة الدينية هي الضد الذي يظهر على صفحاته الملساء حُسنُ الحداثة المزعوم. فالدين، على ما بيّن فلاسفة التنوير، لم يكُف عن كونه وظيفة أبدية للروح الإنساني.
وعليه، سوف ينبِّه هؤلاء إلى ضرورة ألاّ تتنازل الفلسفة يوماً عن حقها في بحث المشكلات الدينية الأساسية وحلها. كان الفيلسوف واللاهوتي الروسي نيقولا برديائيف مْل؟فمًّ، يبيِّن أن لليقظات الفلسفية دائماً مصدراً دينياً. وهو يميل إلى الاعتقاد أن الفلسفة الحديثة عموماً، والفلسفة الألمانية خصوصاً، هي أشد مسيحية في جوهرها من فلسفة العصر الوسيط.. فلقد نفذت المسيحية إلى ماهية الفكر نفسه، ابتداءً من فجر العصور الحديثة.
لقد حطت المنازعة بين الحداثة والكنيسة على أرض الفصل بين الدين واللاهوت، بين جوهر المسيحية وسلطان الكنيسة. لم تتوقف غاية الحداثة، إذ نازعت الكنيسة سلطانها، على وقف تدخلها في السياسة والاجتماع وقيادة الدولة.
فإذا بها، وهي ترى أهدافها بأم عينها، ستمضي إلى نهاية الرحلة لتطيح الكنيسة بما هو مصدر الحقيقة، بل هي ستمضي لتطيح بما أنجزته الفلسفة الحديثة في صعيدها المتعالي. وعلى سبيل المثال، تحوّلت مقولة الواجب عند كانط، إلى مجرد طاعة مطلقة «للأمير الحديث»، إلى الدولة. ذلك الأمير الذي نزع من الحداثة أخلاقها حين نزع جوهرها المسيحي، ثم راح بعيداً في «ضراوته»، حتى أنه لم يبقِ من الكنيسة إلا حجارتها الصمَّاء.
ثنائية الدين والأخلاق، حتى كانط لم توفِّره سيوف العلمانية الحادة. فقد جاء الشغف الكانطي، ليفتح على ممارسة فلسفية لا تُبقي الأنوار بمنأى من فضاء النقد. كانت غاية «ناقد العقل الخالص»، موقوفة على سعيه إلى حفظ الأنوار العقلية بالأخلاق العملية. كان يرى أن الإنسان كائن عاقل، وبما أنه عاقل فهو كائن أخلاقي، وبما أنه أخلاقي فهو كائن ديِّن.
وأيا كان رأي القائلين بالتزام، أو عدم التزام كانط بالمسيحية اللاهوتية، أو موافقته من سُمُّوا بالمفكرين الأحرار، لجهة إنكار الإيمان بالوحي الديني، فإن الكانطية منحت جُلَّ حقولها الفلسفية لثنائية الدين ـ الأخلاق، وجعلتها ضمن إطار الموضوعات الكبرى لفلسفة الدين. والأهم من كل ذلك، أن هذه الثنائية ستؤسس لرحلة مفتوحة من الأسئلة التي أخذت بها الحداثة على امتداد ثلاثة قرون، ولم تنفك عنها إلى الآن. لقد انتصرت الحداثة علياللاهوت، لكنها لم تنتصر على الإيمان.
ثمة من رأى من الفرنسيين، أن الجمهورية لم تنتصر إلا بدحر الكنيسة.. لكن انتصارها كان أشبه بانتصار فرنسا على نصفها الآخر.حين نُقدت الحداثة من أهلها، قيل يومئذ إنها عادت إلى جاهلية من نوع آخر، جاهلية الهَوس بعالم صار عبداً لأوهامه وأشيائه.. وهكذا يبدو غرب ما بعد الحداثة على أحرِّ من الجمر بالنسبة إلى المسيحية المعاصرة.
كان ثمة تساؤل عما إذا كان الغرب سيتحول إلى مجتمع بلا دين.. هذا ما درجت الكنيسة على حكايته بلا تردد. لكن اليوم ثمة شعور راسخ لدى جبهتي الكنيسة والعلمنة، يدفع إلى ضرورة الالتقاء والمصالحة.
