لا تقف طموحات بعض أولياء الأمور عند الإمكانات المقدمة من قبل المدارس الخاصة المنتشرة في الدولة، فمع اختيارهم للمدرسة المناسبة يبدأ مشوار من المتابعة والاهتمام، يضع بعضهم في دوامة من الحرص الدائم على توجيه بعض الملاحظات البناءة، التي قد لا ترى النور نتيجة تعنّت بعض إدارات هذه المدارس التي تسقط من أجندتها وجهة نظرهم وشكاواهم، والتي وصلت إلى واقع من الحيرة واليأس لا يمكن إنكاره.

ففي الوقت الذي تشجع فيه الدولة وتدعم قطاع التعليم الخاص، وتفتح المجال أمامه وتمهد لاستيعاب المزيد من المدارس، رغبة منها في تنويع المناخ التعليمي وإيجاد بيئات أكاديمية مختلفة، وجدنا في الجانب الآخر أن هذه الزيادة أصبحت على حساب الكيف، وأصبحت العملية التعليمية في هذا القطاع مجرد مزايدات فجة في الرسوم، وتحولت الأهداف السامية من مخرجات نوعية في المستوى الدراسي والمعرفي، إلى جيل ممسوخ ومفرّغ ومصاب بانفصام في وطنيته وانتماءاته.

وهذا ليس من باب التعميم، ولكن النسبة كبيرة جدا. ومن أسف أن إضعاف التعليم الحكومي في مقابل الانتشار الهائل للمدارس الخاصة، لم يخلق البديل الذي يثلج صدور أولياء الأمور، فالمشكلات التي يواجهها التعليم الحكومي لا تزال مستمرة، ولا نزال بحاجة إلى تفعيل الاستراتيجيات التي ترفع من مستوى التعليم الحكومي وتطور من بيئة التدريس.

وتعيد النظر في كثير من الخطط والبرامج الوزارية التي أصبحت تضغط على المدرس وعلى الطالب في آن، ولا نزال نطالب منذ أمد، بالخروج عن روتين التلقين والحفظ، إلى وسائل تعليمية حديثة تحترم الفروقات الشخصية لدى الطلاب وتثمن مواهبهم، وتوقف نزيف التسرب الذي نراه في مدارسنا الحكومية.

ولكن مع بقاء هذه العقبات واستمرارها، فإن الواقع يدفع البعض للجوء إلى المدارس الخاصة، وكما يقول المثل «كالمستجير من الرمضاء بالنار». فرغم أن هذه المدارس قد تضمن مستوى أفضل لطفلك من حيث اللغة الانجليزية، ومن حيث اعتمادها على وسائل حديثة في ترجمة المناهج وتطوير مهارات الطلاب، إلا أن بعضها يسقط من حساباته البيئة المحلية لهذا الطالب.

فقد أصبح المنهج التدريسي الأجنبي الخاص بالمدرسة، مهيمنا على بيئة الحياة في هذه المدارس، بل وبعضها يخلو من أية رموز وطنية تشعرك بالانتماء لهذا الوطن، فكل ما حولك يوحي لك بالغربة، مما يعزز النموذج الأجنبي في المشاهدات اليومية للطالب، ناهيك عن قيام بعضها بإضعاف شبه متعمد للمنهج الوزاري والتقليل في بعضها من شأن اللغة العربية، بالاعتماد على مدرسين غير مؤهلين لتدريس المادة، ولا يحملون شهادات تخصص من الأساس، فيلجأ اغلبهم إلى اللهجات المحليات لشرح الدروس والتحايل على المضمون.

ومع هذا الغياب، الذي ينسحب أيضا على الدراسات الإسلامية والاجتماعية، ضاع ما تبقى من انتماء يمكن أن ينمو مع الطالب في هذه المدارس ويكبر معه ويترسخ، لدرجة وصلنا اليوم إلى حقيقة صعبة حين تشتكي بعض الأمهات من أن ابنها لا يفهم بعض الكلمات العربية.

وأن لغته الأم أصبحت هي الانجليزية، بل بعضهم يصف شعور أبنائهم بالدونية حين يتحدثون اللغة العربية! هذه المشاعر الهجينة التي لا يعرف المرء كيف يصنفها، هي نفسها التي تحتم علينا إعادة النظر في بعض سياسات هذه المدارس التي تركنا لها الحبل على الغارب، وحملناها أمانة مستقبل أفضل لأجيالنا، ولكن وجدنا أن البذرة التي زرعناها يمكن أن لا تنبت في أرضها الصحيحة، فلا بد إذن من وقفة تجاه هذا التعليم الذي يستوعب 84 ألف طالب مواطن.

فتفعيل استراتجيات القيادة الرشيدة في رؤية أبناء صالحين قادرين على تحقيق طموحات وطنهم، بحاجة إلى القيام بمسؤولية أكبر تجاه قطاع التعليم الخاص، وأن لا تنحصر المسؤولية في الموافقة على زيادة الرسوم كل عام أو عدمها، في حين يتم تجاهل المخرجات التعليمية من هذا القطاع، التي من المفيد أن نعيد تقييمها على أساس منهجي ووطني.

إن اجتياز امتحانات القبول للجامعات والكليات بالنسبة لطلبة التعليم الخاص، قد يكون مؤشرا يقيس مستوى المعرفة، ولكن أين المؤشرات الأخرى عند تقييمنا للجانب التربوي؟ فالتعليم لا ينفصل عن التربية، وما نراه من استهتار أخلاقي وسلوكي في بعض المدارس الخاصة، يجهض العملية التربوية من الأساس.

فما هو مقبول أخلاقيا في العقلية البريطانية والأميركية التي تدار بها هذه المدارس، لن يكون بأية حال مقبولا في بيئتنا المحلية، ورغم ذلك نجد أن الانفتاح على النموذج الغربي أكبر بين طلاب هذه المدارس، الذين يتخرج بعضهم دون أن يعرف الفرق بين الخليج العربي والوطن العربي.

غياب كثير من الأبجديات المتعلقة بالتعليم في المدارس الخاصة، مثل طابور الصباح والإذاعة المدرسية وتألق بعض الطلبة في تلاوة القرآن في الطابور، غيابات تضعف من هوية الطالب المواطن وانتمائه، بل بعضهم تخرج من هذه المدارس ولم يسمع ولو لمرة واحدة النشيد الوطني، فما بالك بحفظ كلماته!

لذا يبقى جانب اللغة والانتماء هو الأهم، ففي ضياعها ضياع أمة بكاملها. والمصيبة الأكبر هي غياب الوعي عند بعض الأسر، فتجد بعضهم متفجرا غبطة وسرورا حين يجد أبناءه يرطنون اللغة الانجليزية بطلاقة، في حين لا تشعره لغتهم العربية المكسرة بالخزي والعار.

نثمن خطوة الوزارة في إلزام المدارس الخاصة بالنشيد الوطني صباح كل يوم، ولكن يبقى هذا أضعف الإيمان، فالتحديات اكبر والمسؤولية تتضاعف.. اللهم بلغت.

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com