غلب على الفكر السياسي العربي توجه نحو نقد الحكومات، وحملها مسؤولية الوضع المتردي الذي تعيشه أكثر من دولة عربية، وغفل عن نقد الوجه الآخر للأزمة وهو المعارضات، بكل فصائلها وأشكالها. وعندما يوجه نقد على خجل لأداء المعارضة، عادة ما يكون من زاوية واحدة فقط، وهي دور الحكومات في محاصرتها، وهو أمر صحيح لكنه يغفل عن قصور بنيوي في المعارضة العربية، يتعلق بتكوينها وبالتشكيلات الاجتماعية التي تمثل قاعدة اجتماعية اقتصادية لها، تتحول بالتالي إلى قاعدة سياسية.

والمعارضة في العالم العربي تنقسم إلى أقسام شتى، منها الداخلي الحزبي، ومنها ما يعمل خارج دوله في إطار حزبي أيضا، ومنها الجماعات الإسلامية الشرعية في بعض الدول والمحظورة في دول أخرى، وهي تعمل من الداخل في تنظيمات ومن الخارج عبر تنظيمات أخرى، ومنها الجماعات الإسلامية التي ترفض العمل السياسي وتعتبره خروجا على الإسلام، وهي ترفض الحزبية وتريد الوصول إلى السلطة عبر الانقلاب على كل الأطر التي تنتظم الدولة وتنظم العمل السياسي فيها.

وهناك أيضا المعارضات التي تتخذ طابعا عرقيا أو ثقافيا أقلية أو يمثل الأغلبية في أي دولة، وهي كلها تعمل عادة من منطقة جغرافية أو جهوية، ومعظمها لا يتمتع بأي اعتراف شرعي في ظل تجاهل معظم السلطات العربية وجود أقليات عرقية أو ثقافية فيها.

والنقد الأساسي الذي يوجه للمعارضة العربية، هو أنها مستأنسة للحكومات، وأنها تعيش على عقد الصفقات مع أجهزة الحكم، وأنها غير مرتبطة بالجماهير ولا تستطيع أن تحركهم، وأن هناك هوة هائلة تفصل بين الطرفين؛ المعارضة والجماهير.

وبالطبع فإن هذة الهوة تفصل أيضا بين معظم الحكومات غير المنتخبة ديمقراطيا وبين جماهيرها، وهي عادة ما تحكم شعوبها عبر أجهزة الأمن، وبالقبضة الحديدية. وهذا تعبير عملي واضح عن «موت السياسة» في معظم الدول العربية، نتيجة ممارسات الحكومات من جهة، وسوء حالة التعليم وتردي الإعلام وأجهزة الثقافة في معظم الدول العربية من جهة أخرى.

والأزمة البنيوية التي تواجه المعارضة العربية، ترجع في الأساس إلى تشوه التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية في معظم الدول العربية، وانهيار الطبقة الوسطى فيها. فالديمقراطية التعددية يطلق عليها في الأدبيات الماركسية مسمى «الديمقراطية البرجوازية»، لأنها تعبر عن مصالح طبقة واحدة من طبقات المجتمع، ولكن المشكلة أن هذة الطبقة أصبحت الآن تواجه خطر الانهيار.

وإذا كانت الحكومات العربية في معظمها، تعمل حاليا لمصالح شريحة اجتماعية ضيقة تتكون من عدد من رجال الأعمال الكبار، من ذوى النفوذ الاقتصادي الذي تحول مع مرور الوقت الى نفوذ سياسي، فإن تلك النظم تحولت إلى نظم شمولية، حتى تلك التي كانت تتبع سياسات شعبوية، تراجعت لتصبح اوليجاركية، تستبعد الجمهور الواسع عن المشاركة، لصالح فئة ضيقة تعمل لصالح المال والأعمال، وبالتالي خرجت كافة الشرائح الاجتماعية من العملية السياسية، وأصبحت المعارضة مجرد أفواه تحرث في البحر.

حتى الأحزاب السياسية الكبرى التاريخية والتقليدية، التي لعبت أدوارا رئيسية في عملية التحرر من الاستعمار وأدوارا مهمة في المعارضة منذ ذلك الحين وحتى الآن، أخذت شعبيتها في التآكل في السنوات الماضية، لأن القوى الاجتماعية التي ظلت مستندة عليها أخذت هي الأخرى في التراجع.

وهناك بالطبع تحولات اجتماعية في الدول العربية، تتمثل في زيادة الخريجين وانخفاض نسبة الأمية، وقد تم التعبير عن ذلك سياسيا في زيادة حركة المعارضة الافتراضية، التي تتمثل في مجموعات الفيس بوك المعارضة أو المطالبة بالتغيير في أكثر من بلد عربي.

وحركة التدوين العربية المتقدمة، كذلك فإن المأزق الاقتصادي أدى لتأسيس حركات احتجاجية قوية ذات طابع مطلبي. وهذا كله في غير صالح المعارضات العربية، ليس فقط لأنه يسحب البساط من تحت أرجلها، ولكن لأنه في النهاية سيؤدي الى شكل جديد من المعارضة يتشكل حاليا ولا نعرف كينونته ولا توجه.

وإن كان علماء الاجتماع السياسي يرون أنها ستكون معارضة عنيفة ما لم يتم استعابها من قبل المعارضات الحزبية، وهي معارضات في أغلبها رسمية تمثل تقسيما للأدوار بينها وبين الحكومات، بما يعني أنها لن تسعى لهذا الاستيعاب، وإنما ستكون هدفا لهذه المعارضة الجديدة في المستقبل، مثلها مثل الحكومات.

إن التشكيلة الاجتماعية المشوهة الحالية في الدول العربية، ستوجد المعارضة المناسبة لها، وهي ستكون معارضة عشوائية وغير منظمة ومشوهة، لأنها لا تستند إلى أي أساس اجتماعي اقتصادي. وهنا يظهر لنا مأزق كل من الحكومات ومعارضتها، وهو ما يتطلب من القوى التي تعمل الحكومات لها، أن تعي ذلك الأمر جيدا، لأن عدم وجود برامج لعودة السياسة إلى المجتمعات ستأتي على الاخضر واليابس.

وهناك بالطبع، في معظم المجتمعات، مؤسسات عسكرية ذات دور وطني وتحظى باحترام كافة أطياف المجتمع، وهي التي أصبح على عاتقها تبني برامج توسع هامش المشاركة، لتقترب سياسات الحكومات شيئا فشيئا تجاه مصالح الطبقة الوسطى التي لا بد من سياسات لإعادة تأسيسها، حتى لا تتحول الدول العربية إلى دول فاشلة، مثلما تحولت الصومال وأكثر من بلد عربي.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com