طلب بعض مستشاري جواهر لال نهرو، أول رئيس للوزراء للهند بعد استقلالها عام 1947، أن يوجه المخصصات المالية المتاحة إلى الإصلاح الاقتصادي والبنية التحتية بدلاً من التعليم، لأن البلاد فقيرة، فكان جوابه إننا فقراء للدرجة التي لا تسمح لنا بإهمال التعليم، لأن فيه خلاص الهند من كل ما تعانيه من مشكلات، والطريق الأوحد لتقدمها ورفاهية أبنائها، ومهما تطلب ذلك من تضحيات آنية فإن مكاسبه في المستقبل ستفوق كل معاناة.
هذا هو أصل الحكاية، مهما اختلفت تفاصيلها وتغيرت شخوصها من البداية إلى النهاية.. حكاية كل الأمم التي أرادت أن يكون لها مكان أو مكانة بين نظيراتها من الأمم..
حكاية البحث عن نقطة البدء في رحلة النهوض والصراع ضد التخلف والفقر، سواء عن طريق الألواح التي يستخدمها رواد الكتاتيب من طلاب العلم في المنطقة العربية عموما وبلادنا على وجه الخصوص، يوم أن كانت الوسيلة المتاحة لتلقي المعلومة وتدوينها، وصولا إلى الثورة التكنولوجية التي اختصرت الزمن وجاءت بالعلم بين أيدينا على شكل شاشة الكترونية، امتزجت فيها الوسيلة بالمعلومة، والتي صنعت بيئة تعليمية جديدة.
ولأن متطلبات التجديد في فلسفة التعليم، وخاصة الجامعي، وكذلك الأهداف المرجوة منها، لا يمكن أن تتحقق دون تجديد بنيته وأشكاله في إطار تطوير الأنماط السائدة، لتحل محلها أو تتوافق معها أنماط جديدة قادرة على تحقيق المبتغى أو الهدف النهائي.
وفي هذا الإطار شهدت دولة الإمارات على مدى سنوات عدة، منظومة متكاملة لتطوير كل من الأستاذ والطالب والمناهج، كما حدثت تطورات تكنولوجية متسارعة على مستوى العالم، طالت كافة مناحي الحياة، ومنها بطبيعة الحال مجال التعليم الذي كان لها أكبر الأثر في تغيير الكثير من جوانبه شكلا ومضمونا بما يشبه الثورة، لما لها من مميزات عديدة في توفير الوقت والجهد والمال، إضافة إلى ما توفره من إمكانيات كان من أعظم آثارها ذلك الشكل الجديد «التعليم الإلكتروني».
فقد أنشأ هذا النمط من التعليم بيئات تعليمية تختلف عن البيئة التقليدية للمؤسسة التعليمية، استطاعت تجاوز قيود المكان والزمان، وأتاحت للدارسين فرصة النقاش والتفاعل الفوري إلكترونيا مع أساتذتهم من خلال البريد الالكتروني، مما يعد أقرب الأشكال إلى الاتصال المواجهي. كما أنه تجاوز عقبة كبيرة تؤرق العاملين والمنتسبين إلى الحقل التعليمي وهي محدودية الأماكن، إضافة إلى مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين وتمكينهم من حرية اختيار الزمان والمكان المناسب لهم، بما يساعدهم على التقدم والاستمتاع في الوقت ذاته بدراستهم.
كما أن التعليم الالكتروني له أثر كبير في كسر حاجز الخوف لدى الطالب، من خلال التعبير عن أفكاره واتساع مجال العلاقة بين المعلم وطلابه، ليشمل مدة زمنية أكبر من تلك القاصرة على أوقات الدرس، ليسهل الوصول إليه والتفاعل معه خارج ساعات العمل أو الساعات المكتبية، مما يشعر الطالب بدرجة كبيرة من الاهتمام الشخصي من جانب أستاذه.
كذلك أتاح التعليم الإلكتروني لكل طالب تلقي المادة العلمية بالطريقة المناسبة له ولقدراته، ولمن فاتهم التعليم عبر قاعات الدرس، ميزة التعلم في الوقت المناسب لهم وإيجاد الوقت البديل. في تقديري أن التعليم الالكتروني حول التعلم في جانب كبير منه إلى متعة، فضلا عن اختصار الزمن الذي يقضيه الفرد إلى ما يقارب 50%، لذا حرص مختلف المؤسسات التعليمية، ومنها جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، على تبني مفهوم التعليم الالكتروني.
ولأن فلسفة التغيير التربوي والتعليمي لا بد أن تقوم على ركيزتين أساسيتين، هما المحافظة والتجديد، لتحقيق التوازن وضمان حالة من الاستقرار تحول دون هزات يفقد فيها الكل توازنه.. فإن أساليب التعليم الالكتروني لا يمكن أن تحل محل التعليم المؤسسي ولا بديل عنه، ولكنها تدعمه وتجوّده وتقويه لمواجهة متغيرات العصر وتحدياته.
إن أشكال التعليم التقليدية التي تعتمد على الفصل الدراسي ووجود الأستاذ في حالة اتصال جماعي مباشر مع طلابه، لا يمكن أن يدانيها أي شكل آخر من أشكال التعليم، فنحن لا نعلّم فقط، وإنما نعلّم ونغرس قيما وننقل تجارب عشناها.
إنني أعتبر نهج أسلوب التعليم الالكتروني بات فرض عين على كل المؤسسات التعليمية، في الوقت الذي تعد فيه البيئة الجامعية أحد أهم المحاضن التي تشكل الطالب الجامعي ورافدا لا غنى عنه لتكوين شخصية الطالب فكرا وسلوكا، بل قد تفوق في دورها دور الأسرة والعديد من مؤسسات التنشئة الاجتماعية.
فالجامعة لا تعني مجرد مرحلة من مراحل التعليم، وإنما تعني مكان الاجتماع طلابا وأساتذة، أو أداء الأعمال بصورة جماعية، فالوقت الذي يقضيه الطالب بين أقرانه في الجامعة وتنقله بين المحاضرات والأنشطة الرياضية والثقافية وحضور الندوات والفعاليات، أكثر من الوقت الذي يقضيه في بيته.
وما زلنا نتذكر الشخصيات المؤثرة عربيا وعالميا، التي أتاح لنا وجودنا في الجامعة فرصة مقابلتها بشكل كان من الصعب أن يحدث لولا وجودنا فيها، كما أن مشاركة طلاب من جامعات أخرى أتاح لنا تقييم أنفسنا في تنافس محمود مع آخرين، لنقوي وندعم ما لدينا من إيجابيات ونجبر ما لدينا من ثغرات، مما خلق لدينا الدافعية للإنجاز والمشاركة في صنع القرارات وخدمة المجتمع المحلي التي أفرزت نماذج يعنيها دائما الهم العام دون الشأن الشخصي، وهي ذاتها التي تولت زمام القيادة في مؤسسات ذات أهمية نوعية في البلاد، وذلك لم يكن لولا البداية من الجامعة.
كما أن من أهم وظائف الجامعة ـ التي لا يمكن لأي شكل آخر مهما كانت حداثته القيام بها ـ تطوير البحث العلمي، والذي على أساسه تصنف الجامعات دوليا وتتميز به عن بعضها، ويقاس به تقدم الأمم، بل وكفاءة الأستاذ الجامعي مهما كانت مهاراته في قاعات المحاضرات، إضافة إلى الفعاليات التي تدعم وتعزز عمليات الإبداع العقلي والمهارات الفنية.
إن السنوات التي يقضيها الطالب في الحرم الجامعي، هي الفترة الخصبة التي يكون فيها نوعا خاصا من الصداقة مع أقرانه.. صداقة غير مبنية على المصلحة التي هي أساس أغلب الصداقات في مراحل لاحقة.. صداقة نقية لم تلوثها ضغوطات الحياة وضروراتها، بل هي الأبقى والأنقى. فما زال أصدقاؤنا الباقون من صخب العلاقات، هم الذين صادقناهم في مرحلة الجامعة.
إننا مع حرصنا على الأخذ بأحدث تقنيات التعلم وأساليبه، لا يجب أن نغفل الأدوار المتعددة للمؤسسات التعليمية، والتي بدونها سيخرج المنتج التعليمي جسدا بلا روح.
عميد كلية المعلومات والإعلام ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
