قدم «جون بوينر» زعيم الجمهوريين في مجلس النواب الأميركي، الذي سيصبح رئيساً للمجلس إذا فقد الديمقراطيون الأغلبية خلال الانتخابات المقبلة، حلاً للأزمة الاقتصادية الراهنة، يتمثل في تقليص العمل ومخزون السلع، وتقليص المزارع والعقارات. وسوف يؤدي ذلك إلى تطهير النظام من العطب، وأن يعمل الناس بجدية أكبر ويحيون حياة أكثر أخلاقية.

في الواقع، لم تكن تلك هي كلمات «بوينر»، فهذه الكلمات قالها وزير الخزانة في إدارة الرئيس الأميركي «هربرت هوفر»، وهو مليونير الصناعة «أندرو ميلون»، بعد الركود الكبير عام 1929.

ولكنها ربما تكون أيضاً كلمات «بوينر»، لأن وسائل «هوفر» و«ميلون» للتخلص من العطب، كانت هي نفسها ما يطالب به «بوينر» وزملاؤه الآن، وهي تقليص الحكومة وخفض العجز الفيدرالي وتخفيض الدين القومي، وتحقيق التوازن في الميزانية.

إننا جميعاً نعلم ما حدث بعد عام 1929، على الأقل حتى قيام الرئيس الأميركي الأسبق «فرانكلين روزفلت» بالسير عكس اتجاه التيار. بل إن بوينر وغيره من الجمهوريين يريدون الرجوع عن النهج الجديد والتخلص من النهج الأصغر نطاقاً، المتمثل في قانون الرعاية الصحية الذي أقرّه الرئيس الأميركي باراك أوباما. المسألة ليست اقتصادية فحسب؛ إننا نعود إلى زمن الحب القاسي.

والفكرة الأساسية هي إرغام الناس على التعايش مع عواقب أي شيء يحدث لهم. في أواخر القرن التاسع عشر كان ذلك يسمى «الداروينية الاجتماعية». فالبقاء لا بد أن يكون للأنسب، وأي محاولة لحفظ من هو أقل ملاءمة، سوف توهن النسيج الأخلاقي للمجتمع.

أراد الجمهوريون القضاء على نظام الضمان الاجتماعي منذ إنشائه عام 1935، على يد سلفي العظيم في شغل منصب وزير العمل الأميركي «بيركنز فرانسيس». هل تذكرون الاقتراح الذي قدمه جورج بوش لخصخصة هذا النظام؟ فلو وافقت أميركا على تطبيق هذا الاقتراح، فإن ملايين المتقاعدين كانوا سيجدون أنفسهم تحت خط الفقر في عام 2008، عندما انفجرت سوق الأسهم من داخلها.

بالطبع لا يتحدث الجمهوريون عن القضاء على نظام الضمان الاجتماعي بشكل صريح، لأنه نظام يحظى بشعبية كبيرة. و«التعهد» الجديد الذي أطلقه الجمهوريون يعد فقط بوضع الضمان الاجتماعي على «قاعدة المسؤولية المالية»، وتمت ترجمته إلى «سوف نقوم بخصخصته».

لقد اعتدت العمل كأحد أمناء صندوق الضمان الاجتماعي، وصدقوني عندما أقول لكم إن نظام الضمان الاجتماعي أساساً بخير. ربما يحتاج إلى قليل من الضبط، ولكنني أستطيع أن أضمن أنكم سوف تتلقون شيك الضمان الاجتماعي الخاص بكم عندما تتقاعدون، حتى وإن كان ذلك بعد أربعين سنة من الآن.

وبالنسبة لنظام الرعاية الطبية، فإنه يعتبر مشكلة كبيرة، والعجوزات المتوقعة من جرائه مخيفة حقاً. ولكن يرجع ذلك جزئياً إلى أن جورج بوش أوجد استفادة جديدة من الأدوية.

والتي تعتبر مربحة بشكل كبير بالنسبة لكبرى شركات صناعة الدواء في الولايات المتحدة (وهو الأمر الذي قد يفشل تعهد الجمهوريين في التعامل معه). رغم ذلك، فإن المشكلة الجذرية هي ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية.

إن إلغاء التشريع الجديد المتعلق بالرعاية الصحية، سيتسبب في ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية بشكل أسرع. وفيما يتعلق بتوسيع نطاق تغطية الرعاية، فإن التشريع يسمح ل30 مليون أميركي بالحصول على الرعاية الوقائية. أما في حال إلغائه، فسوف يفضي بهم إلى غرف طوارئ أعلى تكلفة.

يمكن أن يساعد القانون الجديد في مراقبة ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، فهو ينص على «التبادل» الطبي الذي سيقدم للشعب الأميركي معلومات قيّمة عن تكاليف الرعاية الصحية وفوائدها.

وينبغي على الجمهور معرفة أن علاجات مكلفة معينة، لا تؤدي إلا إلى تراكم شيكات أجور الأخصائيين، فيما ترفع تكاليف وثائق التأمين التي توفر هذه العلاجات.

ويكره الجمهوريون أيضاً نظام التأمين ضد البطالة. فقد صوتوا ضد كل محاولات توسيع نطاق هذا النظام لأنه، كما يدعون، بمثابة تدليل للعاطلين عن العمل، ويحول دون قبولهم الوظائف المتاحة.

وهذا أمر عبثي، فلا يزال هناك 5 باحثين عن عمل لكل فرصة عمل متاحة، والتأمين ضد البطالة في معظم الولايات لا يدفع سوى جزء زهيد من راتب العمل بكامل الوقت.

ويعتبر التأمين الاجتماعي شيئاً أساسياً للمجتمع المدني، وهو أيضاً جزء من الاقتصاد السليم، لأنه يضع المال في جيوب الناس الذين يعودون ثم يشترون الأشياء التي ينتجها الآخرون، ومن ثم يسهمون في استمرار الآخرين في العمل.

لقد سقطنا في فخ عادة سيئة، عندما أطلقنا على هذه البرامج «استحقاقات»، الأمر الذي يعد مشكوكاً فيه من الناحية الأخلاقية، كما لو أن جمهوراً أكثر مسؤولية لم يكن ليعتمد عليه. ولو أن الكساد الكبير علمنا شيئاً، فإنه يتعثر من دون أن يكون ذلك الشيء جناه هو نفسه.

وأخيراً، يريد الجمهوريون، شأن «هوفر» و«ميلون»، خفض العجز وتحقيق التوازن في الميزانية، في وقت يعاني جزء كبير من القوى العاملة من البطالة، وهذا يعتبر بمثابة تحد للمنطق الاقتصادي.

فعندما لا ينفق المستهلكون، فلن تستثمر الشركات، ولن يكون بمقدور الصادرات سد هذه الفجوة، وعندما لا تقوم حكومات الولايات بخفض ميزانياتها، فإن الحكومة الفيدرالية عليها أن تنفق أكثر.

وبخلاف ذلك، فسوف يتحول الكساد الكبير إلى ما بشر به «هوفر» و«ميلون» تماماً، وهو كساد كبير لا تبدو له نهاية.الأمر أيضاً قاسٍ، فخفض العجز وتحقيق توازن للميزانية في أقرب وقت، سيضع عشرات الملايين من الأسر الأميركية تحت وطأة معاناة لا داعي لها، ويلقي المزيد في براثن الفقر.

وقد اعتقد «هربرت هوفر» و«أندرو ميلون» أن سياساتهما الاقتصادية سوف تطهر عطب النظام وتقود إلى حياة أكثر أخلاقية، وبدلاً من ذلك، انتزعا الأخلاق من النظام، ووصلا إلى حياة أكثر فساداً للملايين من الأميركيين.وهذا بالضبط ما يعرضه الجمهوريون مرة أخرى.

وزير عمل أميركي سابق وأستاذ للسياسة العامة في جامعة كاليفورنيا

opinion@albayan.ae