ما زالت المخاوف تخيّم على الجهود لتحضير مؤتمر قمّة العشرين الاقتصادية G20 المقبل، في سيئول (كوريا الجنوبيّة) في نوفمبر المقبل، فصحيحٌ أنّ القمم السابقة قد أدّت إلى بعض التنسيق في احتواء أزمة المصارف العالميّة.
ما تمثّل في مقرّرات لجنة بازل الجديدة التي ستحتّم على المصارف زيادة رأسمالها بشكلٍ كبير، ولكن سيحتاج هذا الأمر إلى سنين، لأنّ المقرّرات السابقة لهذه اللجنة لم يتمّ تطبيقها حتّى الآن بشكلٍ كامل، بحيث سيبقى سيف اختلالات النظام المصرفيّ يحوم مهدّداً مع أوّل أزمة جديدة.
إلاّ أنّ ما يشغل القائمين على السياسات الاقتصادية في الدول الكبرى اليوم، هو تذبذب أسعار العملات الأساسيّة، واحتمال لجوء دولٍ كبرى إلى «الخفض التنافسيّ competitive devaluation» لأسعار عملتها، لاحتواء مشكلة ديونها الخارجيّة ولدفع صادراتها.
والاختلالات في أسعار الصرف كانت أحد أسباب الأزمة العالميّة الحاليّة؛ فمن ناحية، اتّفق الجميع على أنّ السياسات النقديّة في الدول المتقدّمة قد توجّهت منذ سنوات فقط نحو تثبيت التضخّم، مع أنّه بقي محدوداً، في حين شجّعت خلق «فقاعات» في أسعار الأصول (العقاريّة خاصّةً).
فهل من سبيل لأهداف للمصارف المركزيّة تكبح هذه الفقاعات قبل انفجارها؟ وهل من سبيل لكسر الأرثوذكسيّة القائمة على عدم وجوب مساهمة المصارف المركزيّة في دفع الاستثمار للتنمية غير العقاريّة؟
من ناحية ثانية، هناك أيضاً معضلة تريفّين وراء اعتماد الدولار كعملة مرجعيّة، التي تبرزها الصين كأحد أسباب الأزمة العالميّة الحالية.
فهذه المرجعيّة تحتّم على الولايات المتحدة أن تستمرّ في زيادة تدفّق الدولارات إلى الخارج، عبر عجزٍ متصاعدٍ في ميزان مدفوعاتها وفي دينها الخارجيّ، ليس لحاجاتها فقط، بل لحاجات نموّ الاقتصاد العالميّ، ممّا سيؤدّي في النهاية إلى خفض فعليّ لقيمة عملتها.
كذلك تدفع هذه المرجعيّة شبه الوحيدة إلى استثمار معظم فوائض الاقتصادات الديناميكيّة في سندات مالية في الولايات المتّحدة، بدل تشجيع النمو العالميّ، خاصّةً في الدول المحتاجة لذلك، وكذلك إلى انتشار أيّ أزمة نقديّة بسرعة من الولايات المتّحدة إلى كلّ البلاد.
فهل من سبيل لخروج حقيقيّ من مرجعيّة الدولار وإعادة إرساء نظام بريتون وودذ (الذي أسّس لصندوق النقد الدولي) على أسسٍ غير ممسوخة، تعاد إليه توصيات الاقتصاديّ كينز كما وضعها حينه (مثلاً خلق عملة الbancor المرجعيّة)؟
أخيراً، هناك المشكلة الأساسيّة القائمة في عدم التوازن بين الادخار والاستثمار، حيث يجمع المراقبون على أنّنا نشهد في الوقت ذاته تضخّماً كبيراً في الادخارات في بعض دول العالم (توظّف معظمها في سندات مالية)، وعطشاً للاستثمارات في دولٍ أخرى.
وتدور نقاشات كبيرة حول عدم التوازن هذا: تضخّم القطاع المالي على حساب الاقتصاد الحقيقيّ، ضرورة الاحتفاظ باحتياطيات كبيرة لدرء انتشار الأزمات المالية العالميّة، ضرورة تنسيق التوجّهات الاستراتيجيّة المختلفة بالطبع بين البلدان، حسب وضعها من مدّخرة أو مديونة.
ليس واضحاً إن كانت قمّة العشرين المقبلة ستتوصّل لوضع قواعد، ولو بالحدّ الأدنى، لتنسيق السياسات النقديّة ولأسعار الصرف والعملة المرجعيّة بين الدول الكبرى، كما جرى ذلك في القمم السابقة بالنسبة لاختلالات القطاع المصرفيّ.
وليس واضحاً إن كانت ستأتي أي توصيات بنتائجٍ ملموسة في أمدٍ منظور، في غياب مناخٍ عالميّ لإرساء بريتون وودز جديد. فهناك حساب ربحٍ وخسارة لكلّ من القوى الاقتصادية، وبعضها ـ بما في ذلك الولايات المتحدة خاصّةً ـ قد أضحى في وضعٍ اقتصاديّ واجتماعيّ وسياسيّ لا يسمح لها بتحمّل خسارة من أجل استقرار نظامٍ عالميّ.
بل تجنح الدول صاحبة الادّخارات الكبيرة، إلى إقامة اتفاقيّات ثنائيّة مع تلك ذات إمكانيّات النموّ الكبيرة، تصون مصالحها أمام مخاطر خرق دولٍ أخرى للاتفاقات المعقودة، مهما كانت بالحدّ الأدنى. كما تنظر الدول صاحبة الديون والعجوزات الكبيرة، إلى الفائدة الكبيرة من «خفضٍ تنافسيّ» لعملتها لامتصاص الديون العامّة المتضخّمة وتقليص عجز ميزان مدفوعاتها.
تابعوا إذاً الاتفاقات الثنائيّة بين الدول المتقدّمة والصاعدة، وحجم الاستثمارات المنظورة، والعملات التي تعتمدها أساساً للتبادل، حتّى تروا أين ستذهب رياح العملات.
رئيس منتدى الاقتصاديين العرب
aita@mafhoum.com