يسود اعتقاد في الأوساط السياسية أن أوباما قد دشن عهداً جديداً في العلاقات الروسية- الأميركية. ولا شك أن توجهات الإدارة الأميركية في عهد الرئيس أوباما تختلف في العديد من نواحيها عن أساليبها خلال رئاسة جورج بوش الابن، الذي كان يعتمد مبدأ القوة لتحقيق مصالح الولايات المتحدة، ويتجاهل مصالح وحقوق بقية الأطراف الدولية.

فيما يسعى أوباما لتحقيق مصالح بلاده من خلال التفاهم مع مختلف الأطراف بصرف النظر عن نفوذها وحجمها.

وقد يعتبر البعض أن الرئيس الأميركي يواجه فشلاً ذريعاً في واشنطن، ويعاني ومن تدهور كبير في شعبيته، إلا أن الواقع يكشف انه نجح في إحلال أجواء من الهدوء والاستقرار على العلاقات الدولية، وأبعد إلى حد ما شبح التوتر والصدامات المسلحة التي كان يروج لها سلفه بوش الابن.

وهذا يعتبر أهم نجاح حققه الرئيس الأميركي بعد سنوات طويلة كانت الولايات المتحدة مصدر إثارة التوتر في البؤر الساخنة في العالم.

ويمكن القول ان معاهدة ستارت الجديدة من أهم الإنجازات التي حققها الكرملين والبيت الأبيض لضمان أمن واستقرار المجتمع الدولي، والتي كان من الصعب التفاهم حولها في السابق، وقد اعتبرها أوباما أكثر المعاهدات الدولية شمولاً منذ عشرات السنين.

وفى الأيام الأخيرة بدأ العد التنازلي للتصديق على هذه المعاهدة ودخولها حيز التنفيذ، وقد أجرى الرئيس ميدفيديف محادثات هاتفية مكثفة في الآونة الأخيرة مع أوباما تابعا سوياً خلالها مسار المصادقة على المعاهدة التي تتضمن عشرات الوثائق والبروتوكولات التنفيذية التي تعد جزءاً لا يتجزأ من المعاهدة ولها نفس القوة القانونية التي تتميز بها المعاهدة، والتي تعتمد مبدأ التكافؤ بشكل أساسي في التسلح وصيانة الأمن الدولي.

وتنص المعاهدة على أن يقوم كل طرف من الطرفين بالحد من أسلحته الاستراتيجية الهجومية بالشكل الذي يجعل عددها لا يتجاوز خلال السنوات السبع التي ستكون المعاهدة سارية المفعول فيها 700 وحدة من الصواريخ البالستية العابرة للقارات.

والصواريخ البالستية التي تنطلق من الغواصات والقاذفات الاستراتيجية الثقيلة، 1550 وحدة من العبوات القتالية النووية لتلك الصواريخ، 800 قطعة من منصات إطلاق الصواريخ البالستية العابرة للقارات، والصواريخ البالستية التي تطلق من الغواصات والقاذفات الاستراتيجية الثقيلة.

ولا يتوقف تعاون موسكو وواشنطن عند هذا الحد، وإنما سيتم تقديم مقترح مشترك خلال الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة، لمشروع قرار حول «التقليص الثنائي للأسلحة الاستراتيجية الهجومية والأطر الجديدة للعلاقات الاستراتيجية».

وهذا يعكس حرص الإدارة الأميركية على دعم استقرار وأمن المجتمع الدولي، وهو توجه غاب عن السياسات الأميركية لسنوات طويلة، وبدأ يظهر بوصول أوباما للبيت الأبيض بل وأصبح المحور الأساسي لسياسات الولايات المتحدة الخارجية خلال سنوات رئاسة أوباما.

ومن الملاحظ للجميع أن أوباما يعمل على بناء جسر من الثقة والتفاهم بين موسكو وواشنطن في مجالات التعاون الاقتصادي، إذ ينفذ خطة مشتركة مع الكرملين للتعجيل بانضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية، ويفسح في نفس الوقت المجال لتوسيع أعمال الشركات الروسية في عدد من الأسواق التقليدية التي تعمل فيها الشركات الأميركية، ومنها السوق التركية.

إذ ستباشر الشركات الروسية بتشييد محطة نووية لإنتاج الكهرباء في «أكويو» بالقرب من ميناء ميرسين التركي على البحر المتوسط، تتضمن 4 مفاعلات نووية روسية تبلغ قدرة الواحد منها 2 .1 غيغا وات في هذا الموقع.

وتبلغ التكلفة الاستثمارية لأول مشروع تركي لإنتاج الكهرباء بالطاقة النووية 20 مليار دولار، ولم تكن روسيا لتنال هذا المشروع إذا لم يكن هناك ضوء أخضر من واشنطن.

وتكشف هذه الاتفاقية عن ملامح توجهات إدارة أوباما التي نبذت أساليب الصدام والهيمنة على الأسواق، واستبدلتها بأسلوب التنسيق والتفاهم، ما يفسح المجال واسعاً أمام كل الأطراف لتحقيق حالة من الاستقرار والأمن ليس فقط على الصعيد السياسي وإنما أيضاً في المجالات الاقتصادية.

لكن رغم كل هذا فإن الوضع لا يعني بداية مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، لأن الاتجاهات المعادية لروسيا في الأوساط السياسية الأميركية يتنامى نفوذها في الفترة الأخيرة، إذ تعمل بنشاط في مواجهة سياسات إدارة أوباما، وتعيق تنفيذ خططها.

ويبدو أن هذا الصراع قد يرسم ملامح المرحلة القادمة ويحدد أبرز محاورها المتعلقة بالحد من انتشار الأسلحة النووية وإحلال السلم في العالم.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru