لم يعد يخفى على أحد أن مسرح المعركة التاريخية والدموية بين حضارتي الشرق والغرب، الإسلام والمسيحية تدور رحاها في هذا القرن بين وديان وأودية أفغانستان، بعد أن كان لا يتعدى حدود فلسطين. اليوم لم يعد لحكومة قرضاي أي دور ذي ثقل في دائرة هذا الصراع المفزع بنتائجه المستقبلية.
فهذه الحكومة التي فلت منها زمام الأمور بعد فترة قصيرة من فرار طالبان، لم تعد تشكل اليوم أكثر من حاجز رملي هش لا يستطيع أن يقف أمام تقدم جحافل طالبان وحلفائها، وهو بالتالي حاجز شكلي لا يحتمل أن تصد الصواريخ البدائية الصنع التي جهزت حركة طالبان بها نفسها.
هذا الصراع ونتيجته بين المنتصر والمهزوم هو الذي سيحدد في النهاية المنتصر من المهزوم في الصراع الدائر بين الشرق الغارق في الدم والتمزق، والغرب الغارق في التخطيط الاستراتيجي لاحتواء المنطقة.
وهي حرب بين تقنية الغرب الفائقة الدقة المعتمدة على آخر ما توصلت إليه الحضارة الغربية في صناعة الموت والدمار والأقمار الصناعية، وبين التقنيات البدائية التي تعتمد عليها حركة طالبان في الكر والفر في المناطق الوعرة وتجرجر من خلالها جيوش التحالف إلى ما يشبه المصائد الدموية.
وهذا الصراع يذكرنا بقصة الأسد العجوز وقرية الأرانب. فبعد زمن من الانتهازية التي فرضها الأسد على هؤلاء الضعفاء بعد أن شاخ ولم يعد قادرا على الصيد بإلزامهم تقديم وجبته اليومية على شكل أرنب يختاره زعيمهم ويؤخذ إليه مكرهاً، قرر أصغر الأرانب وأضعفهم قوة تخليصهم من تسلطه، وأن يذهب إليه بنفسه.
وهناك استطاع هذا الأرنب الضعيف البنية أن يغرر بالأسد الجبار ويجره إلى بحيرة من ماء ساكن ليرى الأسد صورته منعكسة فيه ويعتقد بأن هناك أسدا غيره جاء ليستولي على نصيبه اليومي. فما كان منه إلا أن قفز عليه ليفتك به، وإذا به يفتك بصورته في الماء ويغرق وتنجو الأرانب من شره.
واعترف الرئيس الأميركي بعظمة لسانه قبل فترة قصيرة من الزمن بأن أميركا لم تكسب الحرب في أفغانستان وأنه (لا مفر من الحوار) مع ما أسماها بالعناصر المعتدلة في حركة طالبان بدلاً من إرسال المزيد من القوات التي تقع كالذباب في مصائد العدو الأول للهيمنة والغطرسة الغربية.
المسألة أكبر من قضية هزيمة وانتصار. فالولايات المتحدة تعودت في تاريخها على الهزائم في الحروب التي تقودها بعيدا عن أراضيها رغم التقنيات المتقدمة في الأسلحة المستخدمة.
وعلى سبيل المثال، لم تحقق الولايات المتحدة ولا حلفاؤها أي انتصار حاسم في العراق حتى الآن وقرروا الانسحاب والحفاظ على ماء الوجه، وما زالت المقاومة شرسة ومستمرة رغم التصريحات الإيجابية التي نقرؤها ونسمعها في وسائل الإعلام.
الخطورة تكمن في أن نتيجة الحرب في أفغانستان هو من سيقرر مصير المنطقة من حدود الصين الغربية إلى حدود المغرب العربي. فإذا ما وقع الغرب في فخ طالبان ؟ وهذا ما يبدو يحدث الآن على أرض الواقع ؟ فإن المنطقة ستنسف عن آخرها.
وإذا ما شعرت المنظمات الإرهابية المنتشرة كالجراد في كل بقعة وزاوية من الشرق الأوسط بأن ثقة الغرب بنفسه قد اهتزت، فهذا سيعني اهتزاز القلاع الغربية الواحدة تلو الأخرى في أكثر بقاع العالم دموية أمام تقدم زحف طالبان والقاعدة .
وما انطوت تحت أمرتها من المنظمات النائمة التي ستصحو فجأة لتنتقم من السيطرة الغربية على مقادير المنطقة ثقافيا ودينيا وفكريا واقتصاديا وسياسيا وغيرها من الأمور التي لا يمكن الصمت حيالها. وهذا ما يخشاه الغرب. وهذا ما يخشاه الشرق.
حيث إن زحف ما يطلق الغرب عليه الإرهاب لن يقف عند أبواب المنطقة بل قد يجتاح العديد من الدول الغربية التي ستجد نفسها هي ومخابراتها عاجزة عن عمل أي شيء.
فرغم كل السجون الطائرة والمغلقة والمظلمة والتعذيب المستخدم في التحقيق مع كل من يشارك أو مجرد يفكر في عملية إرهابية.
كل ذلك لم يمنع من تزايد المنتسبين إلى المنظمات الإرهابية يوما بعد يوم وتسللهم في عقر دار الدول الغربية أكثر منه في دول الشرق الأوسط، عملاً بسياسة وجوب محاربة العدو في عقر داره لإرباكه، وقطع رأسه وليس ذيوله.
وهذا ما دعا الرئيس أوباما أن يصرح لصحيفة نيويورك تايمز في شهر مارس الماضي بأن «الأسوأ لم يقع بعد».
بالطبع هو لا يتحدث عن الأسوأ الذي سيصيب طالبان وإنما ما سيصيب جيوش الولايات المتحدة وجيوش حلف الأطلسي.. وعندما سئل إن كانت الولايات المتحدة بصدد كسب الحرب في أفغانستان، رد بكلمة واحدة: «لا»!
وجميع الوسائل لم تفلح في صد مقاتلي طالبان والقاعدة حيث وجدت، كما لم تستطع في القرون الماضية جيوش العالم الإسلامي والمسيحي من صد الهجمات البربرية لجحافل المغول والتتار.. إلا بعد فوات الأوان.
إن الشرق الأوسط من أفغانستان مرورا بإيران وامتدادا إلى الصحراء الغربية في أقصى قارة أفريقيا، يمر هذه الأيام بأسوأ حالاته.
وإذا ما استسلم الغرب كما استسلم في أفغانستان والعراق ودكت حصونه هنا وهناك، فإن الكارثة لن تكون أقل تأثيرا من مئات القنابل النووية التي يسعى الإرهابيون لأن تقع بين أيديهم في أية لحظة.الكل في انتظار لحظة الحسم.
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com
