طبقاً للتصنيف الذي اعتمدته صحيفة النيوزويك الأميركية مؤخراً، فإن إسرائيل تشغل المرتبة 22 من بين الدول المائة الأكثر رفاهية في حياة سكانها على الصعيد العالمي. وبذلك وضعت النيوزويك إسرائيل في مكانة متقدمة عن إيطاليا والبرازيل وعشرات الدول الآسيوية والأميركية اللاتينية وكل الدول الأفريقية.
يذكر أن هذا الترتيب التفاضلي يستند إلى مجموعة من المعايير التي تتصل بمستوى التطور في حقول التعليم والثقافة والصحة والمميزات الاقتصادية والاستقرار السياسي..
على مساق آخر يقترب من رصد صيرورة الحياة ونوعيتها داخل إسرائيل، اشتملت قائمة أفضل الجامعات للعام 2010 التي وضعتها جامعة الاتصالات في شنغهاي على أربع جامعات إسرائيلية من بين المئة وخمسين جامعة الأكثر تقدماً على المستوى العالمي (بالمناسبة لم تضم القائمة أية جامعة عربية!).
وتجدر الإشارة إلى أن معايير هذا التصنيف تعتمد أساسا على الأداء الجامعي في مجال الأبحاث والإضافات النوعية في مختلف الحقول العلمية..
من شأن معطيات كهذه أن تثير انطباعات إيجابية عن الحياة في إسرائيل، باعتبارها دولة مستحبة لسكانها، وجاذبة للباحثين من خارجها عن الرغد والرفاهية؛ الراغبين في إطلاق ملكاتهم العلمية والمتحرقين إلى فرص التعبير عن ذواتهم وإثبات تميزهم. و بالنسبة لدولة تقلب كل حجر من أجل استقطاب يهود العالم من مجتمعاتهم الأم، وتجند لهذا الغرض منظومة واسعة من العناصر والمؤسسات، فمن الطبيعي أن تساهم الحقائق المذكورة ونحوها في تحقيق هدف الاستحباب والاستقطاب وتحسين الصورة أمام المقيمين والوافدين.
غير أنه في الوقت الذي بدت فيه المصادر الإسرائيلية حريصة على الترويج لهذه المعطيات والحقائق المبهرة والمثيرة للشهية، طالعتنا مصادر إسرائيلية أخرى بما هو أقرب للعكس، بحيث بدت إسرائيل كدولة طاردة لأصحاب الخبرات وأهل العلم والتفوق، وأنها لم تعد الدولة الحلم لجماعة غفيرة من العلماء بين يهود العالم.
تقول بعض البيانات الطازجة بهذا الخصوص، كالتي نشرتها يديعوت أحرونوت في 16/8/2010، بأن نخبة الحكم السياسية الإسرائيلية تشن راهناً حملة قوية لاستعادة عدد كبير من العلماء وكبار الباحثين الذين غادروا إسرائيل خلال السنوات الأخيرة «سعياً وراء الأموال والمناصب في الخارج».
وقد تم تدشين قاعدة بيانات ستتضمن أسماء واختصاصات وأماكن تواجد زهاء 4500 من أعضاء الشريحة العلمية الأكاديمية الرفيعة، بهدف الاتصال بهم وتقديم عروض مغرية لهم.
وتمضى البيانات إلى أنه قد تم إقرار خططاً شخصية لكل عالم من هؤلاء، تتناسب ومكانته الاجتماعية والعلمية، بغية دمحبهم في الجماعة الأكاديمية الإسرائيلية بعد التصدي لأسباب عزوفهم وإزالة أسباب شكاواهم.
والحال كذلك، ألا يمكن ملاحظة شيء من التعارض بين القول بأن إسرائيل دولة لا تنقصها معطيات الرفاه والتقدم العلمي وفرص الحياة الهانئة اقتصادياً وصحياً وسياسياً، وبين كونها في الوقت ذاته لافظة للمتميزين علمياً وبعضهم مرشح لجائزة نوبل أو حاصل عليها بالفعل؟!.
هناك ما يوجب هذه الملاحظة (المفارقة). ونظن أن الذين أدرجوا سكان إسرائيل في عوالم المرفهين فاتهم الانتباه إلى معيار رديف، ربما كان المعيار الأم في التأثير على استشعار الإسرائيليين للرفاه من عدمه، ألا وهو الأمن العام والأمن الشخصي وإحساس الاطمئنان والتفاؤل تجاه الحاضر والمستقبل..(هذا علاوة على أننا لا ندرى شيئا عما إذا كانت أحوال «فلسطينيي 48» المتردية نسبيا قد أخذت في الحسبان أم أن التصنيف يشير فقط إلى القطاعات اليهودية ؟)..
نود القول بأن إسرائيل ليست كباقي خلق الله من الدول، هي دولة استيطانية؛ من يعيش فيها أو يرغب في الهجرة إليها عليه أن يعلى شأن هذا المعيار الأمني الذي تفتقر إليه إلى أبعد الحدود، والسبب باقتضاب وجود من يشككون في شرعيتها التاريخية ويدعون عليها بكل أنماط الحقوق ويقاومون وجودها وسلوكها العدواني، ولا يرون لها مستقبلا لا على أرضهم التي اغتصبتها عنوة ولا بين ظهراني رحابهم الإقليمية القومية الأوسع.
إن طغيان الحديث في إسرائيل عن مستوى الأمن المطلوب والتهديدات التي تحيط بالدولة من الداخل والخارج قد يطرب النخب السياسية الإسرائيلية ويسمح لها بخديعة القوى الغربية المتحفزة للحفاظ على وجود هذه الدولة ونجاح تجربة استزراعها في قلب العالم العربي (الشرق الأوسط إن أراد البعض!).
لكن المغالاة في هذا الحديث ذاته لا يناسب، ولعله يثير مخاوف، الباحثين عن الحياة الوادعة الرغدة والرفاه وفرص الترقي على سلم المكانة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية..
لذا، فنحن أميل إلى القناعة بأن هدف «استعادة» العلماء والخبراء النابهين لن يتحقق في إسرائيل بمحض الإغراءات المالية والاجتماعية والعلمية، ويتأكد هذا التصور في ضوء أن المقصودين بهذا الهدف لم يغادروا إسرائيل لافتقادهم الحوافز والمشهيات التي تعرض عليهم الآن، وإنما لأنهم ضجروا على الأغلب من حالة الهياج وعدم الاستقرار وغياب السكينة الأمنية والحياة تحت التهديد وأجواء الحرب التي تعيشها الدولة منذ وجدت.
إلى ذلك، قد لا يكون صحيحاً ولا دقيقاً القول بأن ما تقوم به إسرائيل أو تستهدفه يتعلق بمفهوم «استرجاع» علماء لها من بلاد الآخرين، الصحيح في تقديرنا هو أن هؤلاء العلماء «عادوا» من حيث أتوا هم أو آباؤهم أصلاً، فيما تتطلع إسرائيل إلى تهجيرهم إليها مجدداً، وهذا أمر شرحه يطول.
كاتب وأكاديمي فلسطيني