شكا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من تراجع فعالية الدور الأوروبي في قضايا الشرق الأوسط، وطالب علناً بأن يلعب الاتحاد الأوروبي دوراً في هذه القضايا، وكان واضحاً أن الرئيس ساركوزي يتوجه بطلبه هذا للإدارة الأميركية وللرئيس الأميركي أوباما.

ولم تكن لهجته تخلو من الاحتجاج، كما كان يتوجه جزئياً للحكومة الإسرائيلية التي لم تعد تهتم بالموقف الأوروبي، ولا توكل أمراً للاتحاد الأوروبي ولا لأي من دوله، باستثناء طلب المنح والمساعدات للشعب الفلسطيني ومؤسساته وسلطته الوطنية، وإعمار ما تدمره إسرائيل.

أما دول المنطقة الأخرى ذات العلاقة فلا حول لها ولا طول، لا في تفعيل الدور الأوروبي، ولا في إهماله، لأنها على الغالب دول متلقية دون ردود فعل.

لقد بدأ الدور الأوروبي بالتراجع منذ أواسط خمسينات القرن الماضي وقبل أن يؤسس الأوروبيون اتحادهم، وكان هذا التراجع منسجما ومتسقاً مع تراجع النفوذ الأوروبي والاستعمار الأوروبي في مختلف مناطق العالم بعد الحرب العالمية الثانية، التي خرجت منها دول القارة العجوز منهكة وربما منهارة، واحتاجت لمشروع مارشال الأميركي كي تعيد بناء نفسها وتنجز إعمار ما دمرته الحرب.

وكان هذا التراجع لصالح النفوذ الأميركي الذي بدأ يحل محل النفوذ الأوروبي المنسحب في كل مكان، وكانت أميركا قوية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وساهمت مساهمة فعالة في هزيمة النازية، وحسمت مواقفها الاستراتيجية وقررت أن تخرج خارج القارة الأميركية.

وتتجاوز استراتيجيتها التاريخية التي كانت مكتفية باستغلال القارة الأميركية والهيمنة عليها (أميركا للأميركيين)، ولم يكن لدى الدول الاستعمارية الأوروبية القدرة على صد النفوذ الأميركي الذي يتقدم باضطراد، فاستسلمت للأمر، وخضعت هذه الدول للإملاءات الأميركية، سواء منها تلك الدول المهزومة كألمانيا وإيطاليا، أم الدول المنتصرة والتي يعتمد تقدمها على استمرار معونات مشروع مارشال كإنكلترا وفرنسا.

وهكذا ورثت السياسة الأميركية والجيوش الأميركية من الأوروبيين (وخلال بضعة سنوات) نفوذهم وقواعدهم في جنوب شرق آسيا (الفلبين، تايلاند، اندونيسيا، فيتنام، كمبوديا وغيرها) فضلاً عن تواجدها العسكري في ( كوريا الجنوبية واليابان) أما في الشرق الأوسط، فقد طرح الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس في خمسينات القرن الماضي مشروعهما الشهير (إملاء الفراغ في الشرق الأوسط) أي حلول النفوذ الأميركي محل النفوذ الفرنسي والبريطاني المهزوم والمتراجع أمام حركات التحرر والاستقلال في المنطقة، وخاصة بعد فشل الدولتين الأوروبيتين في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

ومنذ ذلك الوقت، بدأ التعاون الأميركي الإسرائيلي ينمو ويكبر، وأدخلت الاستراتيجية الأميركية إسرائيل كجزء حيوي وأساسي في خططها، ولم يعد للأوروبيين من دور سوى تقديم الخبرة والنصيحة باعتبارهم من المستعمرين القدماء.

وتنفيذ مهمات هامشية تأمرهم بها السياسة الأميركية، ولم تشذ سياسة الدول الأوروبية عن هذا السلوك (باستثناء شذوذ فرنسي قصير أيام الرئيس ديجول) وبقي الدور الأوروبي في شؤون المنطقة ثانوياً ومازال، أمام طغيان السياسة الأميركية في المنطقة وفي العالم.

وقد تبدى ذلك واضحاً عند صياغة قرار مجلس الأمن 242 بعد عدوان حزيران، حيث كان الأوروبيون منفذين للسياسة الأميركية، ولم يكن لهم سوى شرف صياغة القرار من قبل اللورد كارادون البريطاني، كما تبدى في سياسة هنري كيسنجر (الخطوة خطوة) بعد حرب 1973 التي لم يكن للأوروبيين فيها ولا خطوة.

وهاهو الدور الأوروبي يتضاءل إلى الدرجة أن حليفاً للولايات المتحدة مثل الرئيس ساركوزي أخذ يشكو من ثانوية هذا الدور وعدم فعاليته، رغم أن أوروبا هي الجار المباشر للمنطقة، وذات التجربة التاريخية في شؤونها والعلاقات المتنوعة معها، والأكثر تقديماً للمساعدات والدعم من مجموع الدول المانحة.

يبدو أن الرئيس نيكولا ساركوزي أخذ المسألة (بشروطها وظروفها) المعاصرة، ونظر إليها من خلال أمنياته، ولم ينتبه إلى نصف قرن من تاريخ العلاقات الأوروبية الأميركية في المنطقة، ومراحل تراجع الدور الأوروبي خلال تلك الفترة والتنازل عنه إلى الولايات المتحدة، وفشل الدول الأوروبية في استعادة أنفاسها أمام طغيان الدور الأميركي العالمي، وتبخُر الأمل بأن تكون المجموعة الأوروبية هي القوة العالمية الثانية بعد انهيار الدور الروسي.

وبالتالي بقيت المجموعة الأوروبية موضوعياً، وضمن شروط التطور القائمة، تتحرك في كنف السياسة الأميركية، وبقي دورها متمماً ومساهماً في تزيين الدور الأميركي وتخفيف فجاجته، وعلى ذلك فإن الدور الأوروبي الفعال الذي يطالب به الرئيس الفرنسي يندرج في الواقع تحت باب الأمنيات، ويصعب تحقيقه لأنه لا يمتلك شروط التحقق والنجاح.

مازالت دول الاتحاد الأوروبي بحاجة جدية وملحة للولايات المتحدة، وخاصة في المجالين السياسي والعسكري، فالأوروبيون يضربون بالسيف الأميركي في مختلف أنحاء العالم، ويحتمون بالعسكر الأميركي حيثما احتاجوا مساعدته، وتسيطر الثقافة الأميركية على مجتمعات هذا الاتحاد (تتجاوز المواد الثقافية الأميركية المستهلكة في أوروبا نسبة 60% من الأفلام والكتب والدراسات والاختراعات وغيرها).

وسيطرت أنماط الحياة الاستهلاكية الأميركية على المجتمعات الأوروبية بأدق تفاصيلها اجتماعياً واقتصادياً وسلوكياً وقيماً وتقاليد، وتراجعت اللغات الأوروبية في مختلف أنحاء العالم بما فيها دول أوروبا نفسها لصالح اللغة الإنكليزية (فمن كان يصدق أن تعقد دورة في باريس لغتها الإنكليزية رغم تعصب الفرنسيين للغتهم). وهكذا هيمن النفوذ الأميركي متعدد الجوانب على كل شيء في أوروبا وفي العالم.

مادام الأمر كذلك فبأي شرط موضوعي إذن وتحت أي مبرر يطالب الأوروبيون بدور يشاركون به الأميركيين قراراتهم؟ فلا الشرط السياسي ولا العسكري ولا الاقتصادي ولا الثقافي يساعدهم على تحقيق رغباتهم، التي ستبقى أمنيات بعيدة المنال وصعبة التحقيق. حتى لو بعثوا رئيسة المفوضية الأوروبية للشؤون السياسية للشرق الأوسط ألف مرة.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org