من الشائع عن روسيا، وفق الدعاية الغربية، أنها دولة بعيدة عن الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحرياته، وقد سادت هذه الدعاية طيلة سنوات الحرب الباردة، وما زالت تتردد حتى الآن.
ولا شك أن آلة الدعاية الغربية أقوى بكثير من آلة الدعاية الروسية التي تكاد تكون غائبة تماما، خاصة في بلداننا العربية التي تسيطر عليها وسائل ومصادر الإعلام الغربي سيطرة تامة، حيث لا توجد صحيفة أو قناة تليفزيونية، رسمية كانت أو خاصة، إلا وتعتمد في الأساس في مصادرها الإخبارية على ثلاث أو أربع وكالات غربية دون غيرها.
وحتى لو كانت الأخبار عن روسيا أو الصين أو حتى الهند أو غيرها، فلا أحد يفكر في اللجوء إلى مصادر إعلامية في هذه البلدان، ويذهب إلى الوكالات الغربية يستمد منها المعلومات والأخبار عن هذه الدول!
وربما يرى البعض أن الوكالات أو المصادر الغربية أكثر انتشارا وكفاءة من غيرها، ولكن هذا لا ينفي إطلاقا تأثير التوجهات السياسية والأيديولوجية على هذه المصادر التي ارتبط تاريخها بالاستعمار والإمبريالية العالمية، ومن الصعب على من لا يتعامل مع مصادر أخرى، اكتشاف عدم حيادية ومصداقية هذه المصادر الغربية.
على مدى العقدين الماضيين ركزت الدعاية الإعلامية الغربية بكثافة على تشويه سمعة روسيا في التعامل مع المسلمين، واستخدمت في ذلك أحداث الشيشان وشمال القوقاز، لتصوير روسيا للعالم وكأنها دولة عنصرية مستبدة تضطهد المسلمين وتقتلهم.
ومع تطور تقنيات الاتصال ووسائل الإعلام الإلكترونية والفضائيات، ظهرت الحقائق وعرف العالم أن مسلمي روسيا يتمتعون بحقوق وامتيازات ربما تفوق بكثير طوائف دينية أخرى، حتى إن اليهود والمسيحيين الكاثوليك في روسيا اشتكوا من تمييز النظام الحاكم والكريملين للمسلمين عليهم، خاصة بعد الزيارة التي خص بها الرئيس الروسي ميدفيديف مسجد موسكو الكبير في العام الماضي، وعدم تلبيته الدعوة لزيارة معابد اليهود وكنائس الكاثوليك.
وفي الوقت الذي تقوم فيه المظاهرات في الغرب والولايات المتحدة ضد بناء المساجد أو رفع المآذن أو ارتداء الحجاب، وتنتشر الكتابات والرسوم المهينة للرموز الإسلامية، نجد التسابق في روسيا على بناء أكبر وأجمل المساجد في العالم؛ في الشيشان وتتارستان وغيرها، وبتمويل حكومي.
وفي موسكو وحدها توجد ستة مساجد كبيرة، بخلاف عشرات المساجد الصغيرة، ويقع مسجد موسكو الكبير في أكبر وأهم شوارع العاصمة على مسافة ليست بعيدة من الكريملين، وتعلو مآذنه على المباني المجاورة ويصدح فيها الأذان وكأنك في دولة إسلامية.
ويغلق الأمن الشوارع المؤدية للمسجد حتى يفسح المكان لآلاف المصلين في صلاة العيد، وتنتشر في موسكو ومدن روسيا الكبيرة محلات بيع المأكولات الحلال للمسلمين بإشراف حكومي، وتنتشر العيادات الطبية النسائية وصالونات التجميل الخاصة بالمسلمات، ووكالات أداء مراسم الدفن الخاصة، وصناديق خيرية وتعليمية ودور نشر إسلامية، وكلها بإشراف ودعم من الحكومة والكريملين، ويذهب أكثر من عشرين ألف مسلم روسي كل عام على نفقة الدولة لأداء فريضة الحج.
ورغم الأحداث الإرهابية التي يقوم بها متطرفون من القوقاز باسم الجهاد الإسلامي في موسكو ومدن روسيا، ويذهب ضحيتها العشرات من الأبرياء من الأطفال والنساء، إلا أننا لم نسمع أحدا في روسيا يوجه أية اتهامات بالإرهاب للإسلام والمسلمين.
ولم نشاهد حملات ومظاهرات ضد المسلمين في روسيا مثل التي نشاهدها في الغرب، ووصل الأمر بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية في دعمها للإسلام والمسلمين ولقضاياهم، أن استضافت وفد حركة حماس الفلسطينية الإسلامية التي يتهمها الغرب وواشنطن بالإرهاب، وكان ذلك في مارس عام 2006، في الوقت الذي كان الجميع يقاطع حماس، بمن فيهم العرب أنفسهم.
هذه هي الديمقراطية الروسية التي يشوهها الإعلام الغربي، بينما ديمقراطية الغرب الزائفة تكشفها ممارسات الأنظمة والمجتمعات الغربية ضد المسلمين، وتفضحها تقنيات وسائل الإعلام الحديثة التي اخترقت كافة الحواجز، لعلها تزيح الغمة عن العقول العربية وتكشف للعرب العدو من الصديق.