الأزمة السياسية التي يمر بها العراق منذ سبعة أشهر، خطيرة جداً على مختلف الأصعدة، وقد ينجم عن تداعياتها ما لا تحمد عقباه. هذه الأزمة بكل تأكيد، وليدة العملية السياسية نفسها التي زُرعت بألغام كثيرة على أيدي خبراء في دخائل النفوس، خبراء في خارطة النوايا، ولكن ليس في تضاريس ساحات القتال.

برز عدد كبير من الزعماء السياسيين على المسرح السياسي العراقي بعد الاحتلال الأميركي، وباستثناء القيادات الكردية فإن أغلب هؤلاء لم يكونوا معروفين لدى معظم العراقيين، ولم يسبق لهم أن مارسوا العمل السياسي بالمعنى المتعارف عليه

. أغلبهم ينتسب إلى أحزاب دينية، أهدافها ونظمها الداخلية وتقاليد عملها وأساليب مقارباتها للأحداث السياسية، تكرس ثقافة تميل بقوة نحو إنشاء دولة غير مدنية، أقرب في هيئتها ونظمها إلى الدولة الدينية، رغم أن أهدافاً كهذه لم تعد تنسجم مع روح العصر ولا تتناغم مع سماته المميزة، بل تتصادم بالأحرى معه بقوة، إضافة إلى أنها لا تلائم تركيبة المجتمع العراقي وطبيعة ثقافته المشبعة بالروح المدنية، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة مطلع عشرينات القرن المنصرم.

وغني عن القول إن مفهوم الوطنية في ظل هكذا ثقافات، يختلف عما اعتاده المواطن العراقي ونشأ عليه عبر عقود عديدة من السنين. فمعايير المنتمي لهذه الأحزاب في ممارسة النشاط السياسي ومقاربة القضايا الوطنية، تحكمها مفاصل الثقافة الدينية التي يتراجع في أطرها البعد الوطني.

بعض هؤلاء الزعماء الجدد قد بلغ من العمر ما لا يسمح له بالاستمرار فاعلاً في الحياة السياسية بعد بضع سنوات، فربما لا نشهد لهم حضوراً في الدورة الانتخابية المقبلة، إذ قد يضطر هذا الزعيم أو ذاك برغبته شخصياً أو بسبب أفول نجمه سياسياً، للانزواء بعيداً عن المعترك السياسي.

على الجانب الآخر، هناك قادة في ريعان الشباب، وبسبب الأوضاع غير الطبيعية التي يمر بها العراق، وبسبب الإرث الاجتماعي والديني الذي ورثوه عن أسلافهم، وبسبب الرعاية التي لقوها من بعض الجهات الخارجية، استطاعوا أن يقتطعوا رقعة هامة من الخارطة السياسية العراقية ليصولوا ويجولوا فيها.

وقد كسب هؤلاء في الانتخابات النيابية عامي 2006، 2010 عدداً لا يستهان به من الأصوات، وأضحى لديهم في المجلس النيابي الصوت الأكثر ارتفاعاً. واكتسب بعض هذه القيادات من أسباب القوة ما جعله الفيصل في تحديد مسار العملية السياسية، كما حصل في انتخابات 2006، وكما يحصل الآن.

السياسة محيط هائل السعة، قد تضيع سواحله بسهولة حين لا يكون البحّار صديقاً لهذه السواحل، وقد يصادف المبحر في عُبابه ما لا يتوقعه من مفاجآت، إن لم يكن مسلحاً بما يؤهله للإبحار ومواجهة التقلبات الهائلة في مزاجياته التي قد تطيح بقاربه، مهما كان هذا القارب منيعاً.

لا أحد يختلف في أن جهات خارجية لها دور كبير في إعداد المسرح السياسي العراقي ووضع سيناريو العملية السياسية، وتقديم الدعم لبعض القيادات السياسية ووضع الخطوط الحمراء على قيادات أخرى، ومن شكك في ذلك في مناسبات سابقة، تحولت شكوكه إلى قناعات وهو يتابع مسرحية تشكيل الحكومة العراقية.

فالخطوط الحمراء التي وضعها التيار الصدري لإعاقة تسمية المالكي مرشحاً لرئاسة الوزارة، قد أزيلت فجأة في موقف درامي هز الوسط السياسي العراقي بشدة. فقد أحدث هذا التغير المفاجئ في الموقف صدمة في أوساط التيار الصدري نفسه، قبل أن يصدم القوى السياسية الأخرى التي راهنت على موقف هذا التيار في أزمة تشكيل الحكومة العراقية.

أجواء العملية السياسية في العراق ملبدة بالغيوم، بل إنها في الحقيقة ملغومة بعظائم الأمور، تجري خلف كواليسها مساومات وصفقات من كل نوع، منها ما قد يظهر للعلن لشرعيته وعدم الخجل من البوح به وإظهاره، ومنها ما سيبقى طي الكتمان لا أحد يجرؤ على كشفه.

بعض القيادات التقليدية قد لا يتضرر كثيراً من الدخول في سوق المساومات وتحمل نتائج ذلك، فقد مارسها مراراً ودخل في شتى دهاليزها التي لا يعرف عنها المواطن العراقي البسيط شيئاً. فمساومات وصفقات جديدة في سياق الحصول على مكاسب جديدة أو إدامة ما تحقق منها، ليست غير وفاء للنهج الذي ألفته وسارت عليه هذه القيادات.

إلا أن القيادات الشابة، التي لا تزال طرية العود، حين تنزلق إلى مواقف المساومة وترضخ للضغوط التي تبعدها عن مبدئيتها، تجانب الصواب تماماً، فهي بذلك تجازف بإحراق نفسها مبكراً، وتعزل نفسها عن جمهورها، وتسدل الستار على دورها في المشهد السياسي.

يبدو من مسارات ما يجري في العراق، في سياق تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، أن الرهانات على الوطن قد خسرت مرة أخرى أمام الرهانات على الطائفة. فالوليد العراقي الجديد الذي يُوشك أن يبصر النور، لن يكون جديداً، إذ سيبقى محتفظاً بصورته المهزوزة، وذلك لأن من يشرف على ولادته هو النطاسي نفسه، الذي أطل علينا منذ عام 2003 مصراً على استخدام نفس أدواته الصدئة.

هناك تجاهل لأسباب تعثر العملية السياسية، وإصرار على إدامة هذه الأسباب، عبر التمسك بالتخندق الطائفي الذي ألحق أبلغ الأضرار ببنية المجتمع العراقي على مدى السنوات المنصرمة. وهذا في الحقيقة توجه على جانب كبير من الخطورة، لأنه لا يقود العراق إلى شاطئ الأمان، بل يكرس حالة غير مستقرة تهدد بالانفجار، فليس هناك نظام ديمقراطي حقيقي في أي بلد في العالم يبنى على أسس المحاصصة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae