التقى الرئيس السوري بشار الأسد، قبل أيام، بجمعٍ من منتجي ومخرجي وممثلي الدراما السورية. وبعد أسبوع، استقبل الرئيس المصري حسني مبارك نجوماً في الدراما المصرية.

ويدلّل اللقاءان على ما صارَ لصناعةِ الدراما في البلدين من حيِّزٍ اقتصاديٍّ ومعرفيٍّ مٌتَّسعيْن، ومن تأثيرٍ في تشكيلِ انطباعاتٍ واسعةٍ عن سوريّة ومصر على غيرِ صعيد. وقد شهدَ الموسمُ الرمضانيُّ الماضي إنتاجَ 50 مسلسلاً مصرياً، كلّفت 150 مليون دولار، وإنتاجَ 27 عملا سورياً، كلفت 50 مليون دولار.

وقالت تلفزاتٌ عربية إنَّ أرباحَها في رمضان كانت كبيرةً، بفعلِ الضخ الإعلانيِّ في أثناءِ بثِّ المسلسلات. والمعلومُ أنَّ الشهرَ الكريم يستحوذُ على 60% من حصيلةِ الإعلانات في المنطقة العربية، وتصلُ إيراداتُ المحطات فيه إلى أكثرَ من 30% منها في الشهورِ الأخرى.

وإلى ذلك، توفّر صناعةُ الدراما عملاً مباشراً أو غيرَ مباشر لنصفِ مليون مصري و100 ألف سوري. ولافتٌ أنّ هذه الصناعة في العامين الماضيين لم تتأثرْ بالأزمةِ المالية، أو تمكّنت من تجاوزِ عوارضِها العابرِة، بل ساهمت البيئة الشاميّة في مسلسلاتِها في بعضِ الإقبال السياحيِّ على سوريّة.

أنْ يصفَ الأسد الإنتاجَ الدراميَّ السوريَّ بأنّه «ثروةٌ وطنيةٌ يجبُ الحفاظُ عليها وتطويرُها»، وأنْ يخاطبَ مبارك مواطنيه الفنانين بأنّهم «سفراءُ لمصر في المنطقة والعالم»، فذلك لا يُؤشِّرُ فقط إلى انتباهِ القيادتين السورية والمصرية إلى الأهمية الحيويّة.

وربما الوطنيّة، للمنتوجِ الفنيِّ في بلديهما، بل يعكسُ هاجساً في دمشق والقاهرة بما يمكنُ استثمارُه على صعيدِ المكانةِ السياسيّةِ والثقافيّةِ للبلدين في المحيط العربي.

وقد شدّد الأسد على ضرورةِ جعلِ الدراما السورية موسمَ عملٍ متواصلٍ على مدار العام، وربما يَصْدُرُ هذا «التوجيه» عن القناعةِ بوجوبِ حمايةِ النجاحِ اللافت للدراما السوريّة في السنوات الأخيرة.

وقد بتنا (مثلاً) أمامَ حالةٍ اجتماعيةٍ عربيةٍ اسمُها «باب الحارة»، من تمثيلاتِها أنَّ شغفَ أهل غزة بالمسلسل الشهير جعلهم يستطيبون تقليدَ شخصياتِه ولهجتِهم الشاميّة، وهم الأقربُ إلى مصر ولهجتِها.

لا تتوفر دراساتٌ اجتماعيّةٌ ومسحيّةٌ عن التأثيرِ الذي صارَ للدراما على الجمهور العربي، مع انحسارِ القراءة والكسلِ المعرفي لديه، غيرَ أنّه يمكنُ ملاحظةُ أنَّ انجذاباً حدث لدى المنتجين (والنجوم أيضا) إلى المسلسلاتِ التي تنشغلُ بالتاريخ، القريبِ والبعيد، وبشخصياتٍ فيه، وتحظى بمشاهدةٍ عريضة، وصارت هذه الأعمالُ مصادرَ معرفيّةً لدى ملايينِ النّظّارة العرب.

ومن ذلك ما أحدَثَه «الملك فاروق» من اهتمامٍ لدى أجيالٍ من الشبابِ المصريِّ، بالتعرّفِ إلى شخصيةِ حاكمٍ سابقٍ لبلادِهم، كانَ يُشاهِدُ في قصرِه «ميكي ماوس» ويلبس الشورت. وثمّة ما أشعله مسلسل «الجماعة» من نقاشٍ مصريّ، وعربيّ أيضاً، حول المتخيّل والحقيقيِّ فيه بشأن «الإخوان المسلمين».

وإذا كانَ محموداً أنْ تستنفرَ أعمالٌ، من قبيل «صلاح الدين» و«سقوط الخلافة» و«ملوك الطوائف» (والملكة نازلي؟) و«أبو جعفر المنصور»، انتباهاً شعبياً إلى التاريخ، فإنَّ الخشيةَ أنْ يشيعَ اعتقادٌ بأنّ هذه المسلسلات مصادرُ لمعرفةِ وقائعَ تاريخيّة.

فيما هي دراما، أيْ أعمالٌ فنيّةٌ تحملُ رؤى كتّابِها ومخرجيها بشأن اللحظة التاريخية التي تنشغلُ بها، وبشأنِ الفاعلين في وقائع تلك اللحظة، على ما أوضحَ حاتم علي محقاً.

لم نُطالعْ أنَّ لقاءي الرئيسين مع بعضِ أهل الدراما في بلديهما تطرّقا إلى هذا، طالعْنا أنّ مبارك قال إنّ مكانةَ مصر الفكرية والثقافية وقدرتَها على التأثيرِ والتعبير عن الشخصيّة المصريّة والعربيّة ستظلُّ دوماً متألقة، وأنّ الأسد تحدَّثَ عن دورٍ للدراما السوريّة في مواجهةِ الغزو الثقافي.

يُشارُ هنا إلى هذا الكلام الكبير، والمتمنّى أنْ يتوازى النجاحُ الاقتصاديُّ لصناعةِ الدراما العربية (ومنها الخليجيّة) مع لياقةٍ جماليةٍ في منتوجِها، وأنْ تتخفّفَ من سماجاتٍ فيها، مع التقديرِ الواجبِ لإشراقاتٍ طيّبةٍ وفيرةٍ فيها.