بات واضحاً وجود مثلث دولي تتحرك أطرافه في اتجاهات مختلفة ومتباينة، وتتقارب أحيانا ثم تتباعد أحيانا أخرى، هذا المثلث هو: موسكو وواشنطن وطهران، حيث لم يمض وقت طويل على موافقة روسيا على العقوبات الدولية على إيران، حتى وصل الوقود النووي الروسي إليها وتم تدشين العمل في محطة بوشهر النووية.

ولم تمض على هذا الأمر بضعة أيام حتى صدر المرسوم الرئاسي الروسي بمنع تصدير الأسلحة إلى إيران، وعلى رأسها منظومة الصواريخ (إس ؟ 300)، الأمر الذي يتوقع معه الكثيرون قريبا خطوة معاكسة تدعم العلاقات الروسية الإيرانية.

في واشنطن، على المستوى غير الرسمي، هناك اللوبي المناهض لروسيا في واشنطن، والمصمم على أن كل ما يدور بين موسكو وطهران مجرد خدعة متفق عليها بينهما، بينما تعلن واشنطن رسميا على لسان ممثلي البيت الأبيض، عن نجاحات التعاون الوثيق مع موسكو على المحور الإيراني، وتصف السياسة الروسية تجاه طهران ب«الحذرة».

ويفسر البيت الأبيض أسباب هذا الحذر عند موسكو، بأنها تتخوف من النفوذ الإيراني الذي قد يزعزع الاستقرار في شمال القوقاز وآسيا الوسطى.

وقد صرح مصدر مقرب من إدارة الرئيس باراك أوباما بأن «الوضع خطير جدا، وذلك لتعذر إيجاد حل يعزز في الواقع فرص ردع إيران التي تسير قدما نحو امتلاك السلاح النووي، وتطور الأحداث يدل على أن الأمور تزداد سوءا من يوم لآخر»، ويرى المصدر الأميركي أن توجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية أمر ممكن من الناحيتين السياسية والتقنية.

فكل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل قادرة على توجيه هذه الضربة، ولكن ما من أحد يريد أن تتطور الأمور على هذا النحو، أما إذا كان لا بد من الاختيار بين توجيه الضربة وإيران نووية، فإن احتمال اللجوء إلى القوة سيكون مطروحا بجد على جدول الأعمال، علما بأن ذلك لن يكون الحل النهائي للمشكلة، بل جزءا من الحل وحسب.

رغم هذا، يبدو أن إيران لم تتأثر لا بمحاولات الإقناع الدبلوماسي ولا بالعقوبات الاقتصادية. ومع ذلك تأمل واشنطن أن تشديد الضغط الاقتصادي سيثير استياء الناس داخل إيران نفسها، وسيرغم طهران على إعادة النظر في أولوياتها.

من يقرأ الصحف الأميركية تتشكل لديه صورة عن موسكو وكأنها مستعدة، في سبيل مصالحها التجارية والاستراتيجية مع طهران، لأن تتجاهل تحذيرات واشنطن من العواقب الوخيمة التي قد تنجم عن تحول جمهورية إيران الإسلامية إلى دولة نووية.

هذا مع العلم بأن موسكو هي أول من حذر من إيران النووية، حيث لفتت روسيا عام 1991 انتباه الأميركيين إلى تصريحات المسؤولين الإيرانيين المقلقة عن آفاق استخدام الذرة.

آنذاك لم يصغ الأميركيون لموسكو، أما الآن فلدى روسيا كل المبررات لإبداء الحذر بخصوص كل ما يتعلق بقادة النظام الإسلامي في إيران، الذين باتت تصرفاتهم تثير شكوك موسكو ومخاوفها.

يدرك المسؤولون الأميركيون أن دوافع روسيا ليست محض تجارية، إذ إنها لا تريد أن يكون لإيران سلاح نووي، لكنهم في الوقت نفسه يعلمون أن ظهور هذا السلاح لدى إيران لا يعني نهاية العالم بالنسبة لموسكو، فطهران في ظل احتمال كهذا لن توجه سلاحها النووي نحو روسيا.

لكن في نفس الوقت يأمل الأميركيون أن لا تنسى روسيا أن في وسع إيران لعب دور سلبي في الشيشان وطاجيكستان أيضا. لقد نجح الإيرانيون في تعزيز علاقاتهم مع بعض الأقاليم الروسية، وخاصة مع جمهورية تتارستان الروسية التي تربطها بإيران علاقات تجارية قوية.

يشير الخبراء الروس إلى أن من غير الجائز إغفال أن الإيرانيين قد يقدمون على استغلال العامل الديني، بغية زعزعة الاستقرار وتأجيج المشاعر الانفصالية في القوقاز وغيره من مناطق روسيا، ومن ناحية أخرى، فإن مصالح روسيا التجارية تشمل بيع الأسلحة والتعاون في مجال الطاقة النووية السلمية.

وتحاول موسكو موازنة مصالحها على المحور الإيراني، فهي لا تريد مساعدة الإيرانيين بالشكل الذي يجعلهم أقوياء أكثر من اللازم، أو بالشكل الذي يغضب الغرب وواشنطن، وفي نفس الوقت لا تريد موسكو التخلي عن إيران وتركها وحدها فريسة للآخرين.

ويرى المسؤولون في واشنطن أن الروس يساومون في هذه المسألة، فهم يريدون معرفة الثمن الذي في وسع الأميركيين دفعه لروسيا، إذا جازفت وأقدمت على مخاصمة وقطيعة مع إيران.

المناورة الدبلوماسية التي تتبعها روسيا مع إيران، تسبب حيرة كبيرة لواشنطن التي لا تزال تضمر قدرا من عدم الثقة بموسكو كشريك صعب للغاية يستخدم تكتيكا بارعا.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru