نردد عادة «كل واحد منا له صنمه».. هذا ما نقوله بين موقف وآخر، وعادة ما نقوله في سياق إعجاب شخص بشخص آخر إعجابًا شديدًا، لدرجة تمنعه من رؤية عيوبه ومساوئه، وتوجه ناظريه لرؤية مميزاته وحسناته فقط.

وهذا أمر يمكن أن نقول إنه عادي، لأنه خاص بالشخص نفسه غالبًا، ولا يؤثر سلبًا على غيره، لكن المشكلة أن الأصنام بدأت تتكاثر، وبدأت تأخذ حيزًا أكبر بكثير من الحيز الشخصي الذي لا يضر أو ينفع إلا صاحبه.

لقد أصبح البعض يفرض أصنامه على الآخرين، ولا يخفى على القارئ أنني أستعمل لفظة (الصنم) هنا بمعناها المجازي، أي ذلك الشيء ـ أو الشخص ـ الذي يحترمه شخص ما ويقدره ويرفعه عنده إلى درجة التقديس.

ويتحول إلى تابع له، منفذ مطيع لكل ما يتصور ـ تصورًا قد لا يكون صحيحًا ـ أنه سيرضيه عنه، وسيقربه منه.. تماما كما كان يفعل عرب الجاهلية بأصنامهم التي صنعوها بأنفسهم.. لأنفسهم.

هذا هو الجامع المشترك المهم بين الأصنام في كل زمان ومكان. إنهم من صنعنا نحن البشر، لا من صنع غيرنا، وليست «خالقة» نفسها بنفسها، ولا «مخلوقة» ومفروضة علينا من قِبَل قوة فوق بشرية ـ إلهية مثلا ـ بحيث نلتزم بأداء واجبات الطاعة، التي عادة ما تكون مصاحبة لأي فرض أو طقس منزّل من عند الإله، بغض النظر عن الديانة.

إننا نتكلم هنا عن أصنام لا علاقة لها بالدين، أعني أصنام الحياة اليومية، الموجودة في عقول بعض الذين يريدون أن يحققوا مآرب شخصية على حساب غيرهم، وهم كثر.. يعيشون بيننا، ويقتاتون على أعصابنا وحقوقنا المادية والمعنوية، ويستبيحون لأنفسهم التصرف بمصائر غيرهم، على أساس أنهم حماة هذه الأصنام وسدنتها.

ما الفرق، إذن، بين تعبُّد عرب الجاهلية لأصنامهم، وتعبّد بعض الناس اليوم لأصنامهم الخاصة؟ في رأيي الشخصي.. لا فرق، فكلاهما لا شغل له إلا صنمه، وكلاهما مهتم بالطواف حوله آناء الليل وأطراف النهار، وكلاهما لا يدرك أنه أغبى من يمشي على الأرض، لأن هذه الأصنام حتى إن كانت مصنوعة من ذهب، فإنها لا تقدم ولا تؤخر شيئا له أو لغيره.

جامع مشترك آخر يمكن التوقف عنده هنا بين عباد الأصنام في الجاهلية وفي عصرنا هذا، هو أن كلا منهما يؤمن بضرورة التقرب إلى الآلهة بقرابين تشفع له وتعزز مكانته عندها..

لكن عرب الجاهلية كانوا أفضل من عباد أصنام اليوم، لأن أولئك كانوا يتقربون إلى آلهاتهم بقرابين قد تكون منهم وقد تكون من غيرهم؛ أي أنهم قد يضحون بابن لهم قربانًا لآلهتهم.

أما عباد أصنام اليوم ـ وهم النسخة المزيفة لعرب الجاهلية على الرغم مما كانوا فيه من جهل وزيف وضلال لا يختلف عليه اثنان ـ فإنهم لا يترددون في التقرب زلفى إلى أصنامهم بقرابين لا تمت لهم بصلة، ويعرفون كيف يبعدون كل قريب وكل شخص يعزّ عليهم عن حيز المذبح وعن دائرة القرابين.

ربما نحتاج إلى أن نقف عند أحد جوانب الاشتراك الطريفة بين عرب الجاهلية وعباد الأصنام اليوم، وهو أن كليهما لا يتردد في أن يأكل من صنمه شيئا إن اضطرته الحاجة لذلك. هذا ما تنقله لنا الأخبار عن عرب الجاهلية، وهذا ما نراه بأم أعيننا أيضا في هذا العصر.

وإذا كان الرجل في الجاهلية يأكل صنمه بالفعل إن كان قد صنعه من تمر مثلا، أو من أي مادة تؤكل، أي أن عملية «الأكل» تتم بالمعنى الحرفي، لأن الصنم كان شيئا ماديا ملموسًا وقابلا للأكل، فإن عباد أصنام اليوم يأكلون أصنامهم، أو أجزاء منها بحسب الحاجة، أكلا معنويًا، تبعًا لنوعية الصنم.

فكما أن نوعية الأصنام كانت تختلف في الجاهلية في طبيعة مادتها المصنوعة منها، فإن أصنام اليوم كذلك تختلف، ولكنها كلها قابلة للأكل بالمفهوم المجازي.

وكي لا يبقى القارئ حائرًا في موضوع المقالة، فإنني أطالب كل واحد منا بأن «يتأمل» فقط ما حوله، في البيت، وفي العائلة، أو لنقل القبيلة، وفي مواقع العمل، وفي الحياة عمومًا، وسيعرف أن مفهوم الأصنام موجود في كل مكان، وكذلك في كل زمان.

وإن كان غير ظاهر أو بارز، أو مصرح به، إلا أن ذلك لا يعني عدم وجوده، فهو موجود.. والكثير من المواقف التي نتعرض لها بين حين وآخر، يثبت لنا يومًا بعد يوم، أن للأصنام أشكالا أخرى.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com