يعتبر القصف الذي شنته مروحية تابعة لقوات الناتو على باكستان، أخيرا، أسوأ من الجدل حول الهجمات من جانب الطائرات الموجهة عن بُعد. والأمل أن تتجاوز واشنطن وإسلام أباد ذلك، من خلال المحادثات حول قضايا محددة، فضلا عن المصالح المشتركة. في قائمة التوترات بين واشنطن وإسلام أباد، فإن الغارات التي قامت بها المروحيات على باكستان، تجاوزت الهجمات بدون طيار التي انتقدت كثيرا، على المناطق النائية في ذلك البلد بالقرب من الحدود الأفغانية.
وتنطوي إحدى هذه الغارات على عملية قصف بطائرة أميركية موجهة عن بُعد من طراز «بريديتور»، بينما تنطوي الأخرى على جنود أميركيين تابعين لقوات «ناتو»، في ما يعد أسوأ انتهاك لسيادة الأراضي من وجهة نظر باكستان.وإحدى هذه الهجمات تقضي على إرهابيين تشعر باكستان بالسعادة إلى حد كبير للقضاء عليهم، ولكنها في الوقت نفسه قد تقتل مدنيين أبرياء.
وأخيرا، لقي ثلاثة من أفراد حرس الحدود الباكستانيين مصرعهم، جرّاء قصف نفذته مجموعة من جنود أميركيين محمولة جوا، في إطار البحث المكثف عن المشتبه فيهم من المسلحين، علاوة على جرح ثلاثة آخرين. وهو ما يعتبر ضررا جانبيا على نطاق واسع. وقال وزير الداخلية الباكستاني رحمان مالك عقب الهجوم: «سوف يتعين علينا أن نتبيّن ما إذا كنا حلفاء أو أعداء». في الواقع، المسألة ليست أعداء ولا حلفاء، بل إن الولايات المتحدة وباكستان محاصرتان داخل تحالف مضطرب، وتعانيان من عدم الثقة الذي يمكن أن يقوض الحرب في أفغانستان والحرب ضد الإرهاب العالمي.
وتود واشنطن أن تبذل إسلام أباد المزيد من الجهود، لاجتثاث حركتي طالبان والقاعدة من قواعدهما في باكستان. ويتعين أن تحظى إدارة أوباما بتعاون باكستان، من خلال تقديم معونة عسكرية واقتصادية وتنموية كبيرة. باكستان بحاجة إلى تلك المعونة، ولكنها تخشى تخلي الولايات المتحدة، والشعب الباكستاني يشعر بالاستياء تجاه التدخل الأميركي.
زادت حدة التوتر بين البلدين في الآونة الأخيرة. فقد صعّدت الولايات المتحدة من الهجمات المثيرة للجدل بالطائرات الموجّهة عن بُعد، ويستهدف ذلك في جزء منه تعطيل مؤامرات لشن هجمات على غرار عملية مومباي داخل أوروبا. وحثت أميركا وشركاؤها في التحالف الذين يقاتلون في أفغانستان، باكستان على شن هجوم ضد الجماعات الإرهابية المختلفة في منطقة شمال وزيرستان القبلية التابعة لها. لكن باكستان تقول الآن إن قواتها منتشرة على نحو يضعفها، حيث اضطرت إلى التعامل مع أكبر فيضان في تاريخها. وهذا الفيضان عرقل الإمكانات الاقتصادية للبلاد، وأبرز هشاشة الحكومة، وهذا كله ليس في صالح الجهود المشتركة لمكافحة لإرهاب.
الأمر الأكثر أهمية في هذا الصدد، هو أن كلا من الولايات المتحدة وباكستان تتبعان جداول زمنية متباينة. ويشعر الرئيس الأميركي أوباما بضرورة ملحة لظهور علامات نجاح جهود مكافحة الإرهاب، فيما تمضي خطته لزيادة القوات في أفغانستان في مسارها. والرئيس الباكستاني آصف زرداري لديه حكومة لا تحظى بالشعبية يتعين عليه أن يضمن تماسكها، وعملية تطهير ما بعد الفيضان عليه أن ينجزها.
نأمل أن تكون لدى البلدين القدرة على تجاوز هذا الجدل المتعلق بعبور الحدود، كما فعلا في الماضي. وسيقتضي ذلك إجراء محادثات بينهما حول أمور محددة، فضلا عن تعزيز المصالح المشتركة، لا سيما أنهما شريكان استراتيجيان في هذا الركن الخطير من العالم.وإذا كانت باكستان تود أن ترى غارات حدودية أقل، فيمكنها أن تفعل شيئا حيال ذلك، من خلال تخصيص المزيد من الموارد للجهود المناهضة لطالبان.
