السودان ذاهب إلى انقسام حتمي، بلدين مطلع العام المقبل. تلك حقيقة ظلت تتبلور على الواقع طوال السنوات الخمس الأخيرة. الشماليون والجنوبيون عمدوا إلى الجفول عنها عمداً مع سبق الإصرار كل لغايات بعينها. لا استثناء في ذلك بين الوحدويين والانفصاليين.
جميع السودانيين يتحملون وزر الإخفاق في تكريس خيار الوحدة، مثلما هم يسددون فاتورة الانفصال. انكفاء شريكي الحكم على أجندتيهما الضيقة لم يفسح متسعاً أمام الوطن لتفادي المصير القاتم. الأحزاب التقليدية انهمكت في تشظيها حتى عجزت عن تشكيل شارع سياسي مؤثر في الأحداث. الطبقة السياسية انزلقت إلى أزمة أبعد ما تكون عن هموم الشعب وتطلعاته. النخب قعدت عن استنهاض مجتمع مدني يحرس مكاسب نيفاشا ويوقد شمعة الوحدة.
موقف سلفاكير الانفصالي المعلن لا يشكل مفاجأة. الحركة الشعبية انحازت للانفصال لما تنصلت من مشروع السودان الجديد. مشروع الراحل جون قرنق وحده يفتح الأفق السياسي أمام الحركة للانشغال بهموم السودان الواحد الموحد. ذلك هدف تخلى عنه ورثة قرنق يوم قبروا زعيمهم المؤسس. بذلك الانحياز انكفأت الحركة على الجنوب تتربص توقيت تقرير المصير.جاذبية الوحدة محور وطني حيوي في نيفاشا. المؤتمر الوطني يتحمل الحمولة الأكثر ثقلاً للوفاء بهذه الجاذبية، تلك مسؤولية لا تجرد الحركة من نصيبها في العبء الوطني.
الحركة توغلت مع المؤتمر الوطني في خطيئة احتكار السلطة والثروة. رفض الاعتراف بالقوى المعارضة فرض طوقاً على الشريكين جرفهما إلى انسداد سياسي مشبع بالاشتباك الثنائي. الأخطر من ذلك خروج ثنائي الحكم بقضايا الوطن إلى المنابر الدولية. الهروب الثنائي إلى الخارج جعل المسألة السودانية عرضة لمصالح الدول، ومن ثم تدخلاتها. المفارقة المحزنة أن هذا التدخل لم يصبح حصراً على الدول الكبرى.
المؤتمر الوطني ذهب في احتكار السلطة والثروة وعزل المعارضة شأواً بعيداً. على الرغم من هزال الأحزاب التقليدية أعمل المؤتمر سلطته وثروته في تفتيت كيانات المعارضة. الحزب الحاكم راهن على شراكة طويلة الأمد مع الحركة. ذلك رهان يقسم الوطن فسطاطين جديدين في ظل سودان واحد غير موحد أو استيلاد دولتين من الوطن الكبير.
المؤتمر يستهدف إقامة «سودستان» على مساحة ما يؤول إليه بعد الانفصال. اشتباك المؤتمر مع الحركة ليس على وحدة الوطن، بل على حقول النفط في مناطق التماس بين الجنوب والشمال. صرة الثروة من أجل الاحتفاظ بالسلطة وإنجاز المشروع الإسلامي تكمن في أبيي. أي تسوية ثنائية ممكنة ـ ولو بتدخل خارجي ـ تعين المؤتمر على غايته تصبح إنجازاً تاريخياً يهون دونه الجنوب وربما الغرب.
تغليب الأجندة الحزبية الانفرادية أسقط قضايا الوطن والشعب وغيّب القوى المعارضة. مثقلة بجراحاتها القديمة والمستحدثة طبع أداء الأحزاب التقليدية ما يشابه الاستسلام للأمر الواقع. ذلك عجز لا يمنطقه استهداف المؤتمر الحاكم بوزر الانفصال. في القضايا الوطنية المصيرية لا توجد مساحة للتقاعس كما لا يوجد هامش للنكايات. منظمات المجتمع المدني الفاعلة أُكِلَت يوم أُكِلَ الثورُ «الأحمر».
المؤتمر الحاكم مارس تدجين حركة هذا القطاع الحداثي بوسائل عدة. النخب السودانية انزلقت في مسارب الخلاص الذاتي واللامبالاة. نعم هناك فئة من الرجال والنساء دفعت غالياً، غير أن ذلك جرى على منوال الجهد الذاتي غالباً والمبادرة الذاتية أحياناً حتى الحركات المنظمة التي أوقدت شمعات مضيئة لم تتلق الدعم المنظم لإبقاء شمعاتها متقدة.
الحديث عن تغليب خيار الوحدة والحراك السياسي في هذا الاتجاه محاولة بائسة لن تحدث تغييراً في مجرى التاريخ المحفور على مدى سنوات خمس. نعم.. الانفصال سباحة ضد التاريخ، غير أنه نتيجة حتمية لركام جرائم ضد الوطن.