شيئاً فشيئاً يقترب الوضع السياسي اللبناني من مرحلة الاشتباك العام، حول ملفي مستقبل المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومستقبل مسألة شهود الزور. المواقف باتت شديدة التنافر والتناقض بين معسكري 8 آذار و14 آذار، بحيث بات يصعب توقع الوصول إلى تسوية ما تنتج حلا وسطاً.

الجديد في هذا الصراع السياسي اللاهب، هو أن موضوع مساهمة لبنان في تمويل المحكمة (49%) ضمن موازنة 2011، تحول إلى مسألة خلافية جديدة تهدد بتعطيل الموازنة ككل، وخروج الرئيس ميشال سليمان من موقفه المؤيد للمحكمة بلا شروط، إلى موقف يغلب عليه الانتقاد لعمل المحكمة، تحت عنوان ضرورة «استعادة صدقيتها» التي اهتزت، بفعل طريقة معالجتها لقضية الضباط الاربعة والتسريبات حول القرار الظني وما يمكن أن ينطوي عليه من اتهامات لحزب الله.

وكان لافتا لنظر القوى السياسية أن رئيس الجمهورية، عمد للمرة الأولى إلى دعوة المحكمة ل«التدقيق بروية وتمهل في كل الوقائع»، في إشارة شبه علنية إلى ضرورة النظر في الملف الذي رفعه إليها «حزب الله»، متضمنا اتهاما لإسرائيل باغتيال الرئيس الحريري.

إلى جانب هذين الحدثين الجديدين، كان لافتا إمعان النائب وليد جنبلاط في انتقاد المحكمة الدولية، وإبداء الندم على المشاركة في الدعوة اللجوجة إليها، فضلا عن انتقاده الحاد للقرار 1559 الذي «وضع العداء لسوريا فوق كل اعتبار»، في مراجعة قاسية لسلوكه السياسي وتحالفاته منذ اغتيال الرئيس الحريري عام 2005.

هذه الوقائع التي تتزايد سفورا، دفعت المراقبين إلى تطارح السؤال الذي يقلق الجميع: هل تندفع البلاد نحو جولة عنف جديدة ترسي وقائع ميدانية مغايرة للوقائع الراهنة؟ المعلومات المستقاة من مصادر مختلفة، تشير إلى تبلور استراتيجيتين متناقضتين لدى 8 و14 آذار، يمكن رسم ملامحهما كالتالي:

* تنطلق استراتيجية 8 آذار من قناعة أساسية، قوامها أن المقصود من القرار الظني وما سيتلوه من محاكمة دولية، هو ضرب «حزب الله» سياسيا من خلال اتهامه باغتيال الرئيس رفيق الحريري، الأمر الذي يستتبع إدراجه على لائحة التنظيمات الإرهابية ومحاصرته اقتصاديا وماليا، وقطع الصلات التي ينسجها مع دول وهيئات غربية ودولية، أخصها مع فرنسا التي عاودت التأكيد أنها ستحافظ على صلاتها مع «حزب الله»، حتى ولو جرى اتهام عناصر غير منضبطة منه بالاشتراك في تنفيذ عملية اغتيال الحريري. وتستخدم هذه الاستراتيجية عناصر أساسية في معركتها:

ـ إلزام الحكومة بقطع عملية تمويل المحكمة الدولية، من خلال رفض الموافقة على تمرير موازنة العام المقبل في جلسة مجلس الوزراء كما في مناقشات المجلس النيابي، إن تضمنت بندا ينص على دفع لبنان حصة في تمويل المحكمة.

ـ التهديد بانسحاب وزراء «المعارضة» (8 آذار) جميعا من الحكومة، مما يسبب أزمة حكومية مفتوحة تنتج فراغا في السلطة التنفيذية.

ـ الاستمرار في الضغط في مسألة «شهود الزور» وضرورة محاكمتهم.

ـ استخدام الموقف الجديد الذي أبدته السلطات السورية، والقاضي باعتبار المحكمة بابا إلى حرب أهلية ومذهبية، من أجل المطالبة بإيقافها.

وتتطلع هذه الاستراتيجية في نهاية المطاف، إلى استبدال المحكمة ذات الطابع الدولي بمحكمة لبنانية محلية تتولى محاكمة «شهود الزور» أولا، وتوجه الاتهام باغتيال الحريري إلى إسرائيل وعملائها حصراً، في مقابل تبرئة جميع الجهات الأخرى (حزب الله أو الاصوليون).

في إطار هذه الاستراتيجية، لا تبدي قوى 8 آذار أي تخوف من انفجار عسكري كبير، انطلاقا من ثقتها المطلقة بقوتها العسكرية وتحالفاتها الإقليمية، وتبدل الأوزان السياسية بعد انضمام النائب وليد جنبلاط إلى معسكرها بصورة مطلقة ونهائية، وإن كان ما زال يحافظ على صلاته بالرئيس سعد الحريري. وتعتبر قوى 8 آذار أن الهشاشة العسكرية لقوى 14 آذار ستجعلها تمتنع عن أي اندفاع إلى الصراع العسكري، لعلمها أن تجربة 7 أيار ستتكرر على نحو شامل في لبنان بأسره.

ولا تعول هذه القوى على قرار دولي بإيقاف المحكمة الدولية وتعطيلها، بل تعول على موقف داخلي حكومي أولا، باعتبار أن المحكمة خرجت على مقاصدها المفترضة بالبحث عن الحقيقة، الأمر الذي يدفع قوى 8 آذار إلى إعلان رفضها للقرار الظني وتبرئها من استنتاجاته السياسية.

وتعتبر هذه القوى أن سقوط المحكمة سيكون داخليا أولا، وأن الرئيس سعد الحريري إذا شاء المحافظة على علاقاته الجديدة مع سوريا، سيضطر إلى التنصل التدريجي من المحكمة، نزولا عند دعوة الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط له إلى البحث عن اتفاق لبناني داخلي، على قاعدة التوافق على طي موضوع المحكمة الدولية، وإحالة التحقيق إلى القضاء العدلي الذي يفترض أن يبدأ بمحاكمة «شهود الزور» أولاً.

في المقابل، تعتمد قوى 14 آذار استراتيجية تنطلق من حقيقة أن الرئيس سعد الحريري ليس في وارد التراجع عن تأييده للمحكمة الدولية، لأن إرثه السياسي برمته قائم على الوفاء للمحكمة، ولأن عقد 14 آذار سيهتز كثيرا لو تم التخلي عن المطلب الرئيسي الذي تجتمع حوله منذ نشوئها. وتعتبر قوى 14 آذار أن قوى 8 آذار، رغم وزنها العسكري الكبير المعترف به، لا تحقق أي مكسب من اجتياح لبنان عسكريا، نظراً لأن أي محاولة من هذا القبيل تهدد بالتحول إلى فتنة طائفية كبيرة، يخشى أن تمتد آثارها إلى الجوار العربي.

وينهض تحليل قوى 14 آذار على واقعة أن حزب الله يسعى اليوم إلى فتح جسوره مع المملكة العربية السعودية ومصر، من خلال اجتماعات مع مسؤولين من البلدين، وليس متوقعا أن يغامر بهذه العلاقة المستجدة، فضلا عن العلاقة مع فرنسا، في معركة ذات طابع مذهبي ستضع هاتين الدولتين في موقع العداء لحزب الله وحلفائه.

وتنهي هذه القوى تحليلها بالقول إن سوريا التي عادت تعزز علاقاتها مع أوروبا ومع تركيا، والتي تسعى إلى علاقة متوازنة مع واشنطن، يصعب عليها أن تندفع في تأييد أية مغامرة عسكرية في لبنان، تكون حصيلتها نشوء ميزان جديد للقوى على قاعدة غالب ومغلوب. لذلك فإن القيادة السورية ستغلب منطق الحكمة على أي منطق آخر، وستعمد إلى تبريد «الرؤوس الحامية» التي تتباهى بقوتها وقدرتها دون النظر إلى المحيط السياسي والطائفي المحيط بها. هل تعمد قوى 8 آذار إلى تنفيذ تهديداتها السياسية وتوتير الأوضاع الأمنية، من أجل خلق مناخ ضاغط على الجميع؟ هذا هو السؤال الذي يؤرق الجميع.