حزب الشاي غاضب! حقا. أو هكذا تقول لنا مرارا وتكرارا وسائل الإعلام. ووفقا للحكمة التقليدية، فإن هذه هي قصة هذا الانتخاب، وعلى الأرجح الانتخابات المقبلة: فمن يعارضون أوباما غاضبون، وقد التفوا حول حزب الشاي. ولكن وفقا لحكمة أكثر تقليدية، فإن هذا الأمر يعتبر خطأ.
ليس هناك شك في أن أتباع حزب الشاي غاضبون، ولكن ما ينقص هذا السرد هو الحقيقة القائلة إن الجميع غاضبون.وكما تبين لي من خلال حديثي في مؤتمر سائقات الشاحنات، أخيرا، فإنه حتى الذين يحبون الرئيس الأميركي والذين لا يتخيلون التصويت لأي شخص آخر من غير الحزب الديمقراطي، هؤلاء أيضا غاضبون.
ليس من الصعب أن نفهم سبب ذلك. كيف يمكنك متابعة ما يحدث في أميركا ولا تغضب؟ وكل مرة أتابع فيها الأخبار، يتجدد غضبي. الفقر يزداد، ولا نهاية في الأفق لمعدل البطالة المرتفع وحالات حبس الرهن. وكما قال كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس أوباما، «أوستان غولسبي» أخيرا، فإن هذه الأرقام لن تتغير قريبا.
لذا فلا عجب ألا يكون أتباع حزب الشاي وحدهم هم الغاضبون. وإذا واصلنا ربط الغضب بحزب الشاي بصورة حصرية، فإن النقاش العام الذي نجريه، سوف يصبح خيارا زائفا بين الوضع الراهن وجدول أعمال سيدمر أميركا.
وكما أوضحت الكاتبة «جين ماير» في مجلة «نيويوركر» الأميركية، في وصفها للإخوة «كوش» المليارديرات الذين يدعمهم حزب الشاي، فإن من يقفون وراء الحزب يدفعون بالأفكار نفسها منذ وقت طويل، ولكنهم استغلوا الغضب المشروع في البلاد وتمكّنوا من توجيهه ليخدم غاياتهم الخاصة. هل أنت غاضب؟ حسنا، فأنت من الواضح أنك متوافق مع برنامجهم. أو هكذا حالهم كما تعتقد.
ولكن، في الواقع، هناك أكثر من طريقة لتوجيه الغضب. نعم، يمكنك التشويه والتفرقة واختيار كبش الفداء. يمكنك أن تستغل المخاوف ا؟قتصادية للناس بحشد حملة من الكراهية في غير صالح أميركا، ضد أقليات دينية. يمكنك محاولة قطع سبل التعاطف بالإيحاء، كما فعل مرشح مجلس الشيوخ الأميركي في ولاية نيفادا «شارون أنغل»، بأن هؤلاء العاطلين عن العمل ما هم إلا كسولون متشردون، يفضلون التقاعس وجمع شيكات البطالة بدلا من البحث عن عمل. وبالنسبة ل«جو ميلر» المرشح لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي عن حزب الشاي، في أكثر المناطق إيغالا في اتجاه الشمال عن ولاية ألاسكا، فإنه يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يدعي أن استحقاقات البطالة في الواقع غير دستورية.
لذا، فإنه من المؤكد أن التلاعب واستغلال خوف الناس وغضبهم، والقلق إزاء الاقتصاد لتفرقة الناس بعضهم عن بعض، هي إحدى الطرق للمضي. ولكن لا يوجد سبب لكون هذا يجب أن يكون الثمرة المنطقية الوحيدة للغضب. في الواقع، هناك مسار آخر يتم اتخاذه. فالغضب يمكن كبح جماحه وتوجيهه، ذلك أن الطاقة الكامنة وراءه تستغل للتواصل والوصول، واتخاذ إجراء لجعل الحياة أفضل للأسرة وللآخرين ممن هم بحاجة إلى مساعدة.
في هذه الأيام، يدور معظم الحديث في ما بيننا حول أشكال النقص التي نعانيها، مثل النقص في فرص العمل، ونقص الإيرادات (ومن ثم تزايد العجز وتصاعد الدين). ولكن لدينا أيضا فائض في الطاقة، والمهارات، بالنسبة لهؤلاء العاطلين عن العمل أو طاقات العمال غير المستغلة بشكل كامل، وأيضا لدينا فائض في الوقت.
إن ما أدهشني كثيرا أثناء إجراء بحث حول كتابي، وحاليا وأنا أقوم بجولة في جميع أنحاء البلاد، كان هذا الإبداع غير العادي المنتشر في جميع المجتمعات المحلية، والذي يستوعب المشكلات التي تواجه أميركا.
فعلى سبيل المثال، هناك «سيث ريمس» من بورتلاند في ولاية أوريغون، والذي أكتب عنه في كتابي «أميركا العالم الثالث». فبعد أن فقد وظيفته كحارس في ديسمبر 2008، بدأ هو وصديقته «ميشيل كينغ» إنشاء منظمة «لدينا وقت للمساعدة».
المنظمة عبارة عن ملتقى على شبكة الانترنت، مهمته التعرف الى من لديهم الوقت للمساعدة (العديد منهم، مثل «ريمس»، تم تسريحهم من وظائفهم) في ما يتعلق بالاحتياجات المحلية في المجتمع. وحتى الآن، قدموا مساعدات في بناء حدائق عامة، وإصلاح السيارات لمن لا يستطيعون الاستعانة بميكانيكي، وتوفير تجهيزات المعاقين لمساعدة من ينتقلون من بيوتهم.
ثم هناك «شيريل جاكوبس»، التي تقوم، إلى جانب وظيفتها في شركة كبيرة كمحامية، بعمل تطوعي كجزء من برنامج تحويل حبس الرهن العقاري السكني الناجح للغاية في فيلادلفيا، الذي يساعد أصحاب المنازل في مواجهة مشكلة حبس الرهن في إطار عملية قانونية. وبعد تسريحها من عملها، اضطلعت «جاكوبس» بالمزيد من قضايا حبس الرهن، وفي نهاية المطاف بدأت عملها الخاص من أجل مساعدة الناس على الاحتفاظ بمنازلهم.
عندما كنت في ديترويت أخيرا، التقيت «إريك جرغنس» مصمم الديكورات الداخلية، والذي لديه فرص عمل أقل مما كان لديه في مدينته التي اجتاحها الركود. حتى انه يستخدم مهاراته غير المستغلة لتوفير مأوى للنساء، إلى مساحة جميلة ومريحة من أجل النساء اللواتي يعتبرن هذه المساحة منزلا مؤقتا. ويعمل «جرغنس» مع الموردين للحصول على تبرعات، واستقدام مصممين آخرين. الفكرة ليس الهدف منها مجرد تجميل أشياء ببعض المفارش والكراسي التي يتم التبرع بها، ولكن من أجل خلق إحساس بالدفء والسلامة والراحة.
لذا ونحن في مفترق الطرق من تاريخ أمتنا، فإن أشخاصا مثل «سيث» و«ميشيل» و«شيريل» و«إريك»، وعشرات الألوف من الأشخاص الآخرين على امتداد أميركا، يظهرون طريقة أخرى للانطلاق. إن غضبنا إما أن يقودنا إلى الاستفادة من غرائزنا الأساسية، أو من خصال أفضل في طبيعتنا. ومستقبل أميركا نفسه يتوقف على القرار الذي تتخذه في هذا الشأن.
