مرة أخرى نقع في مطب الاختلاف العقائدي والمذهبي، ولكن هذه المرة بحجم القنبلة الذرية على هيروشيما. وحدث في دولة عربية بحجم جمهورية مصر العربية عدد سكانها يقرب من الثمانين مليونا. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على عدة أمور.
الأمر الأول: أن هناك من يحمل الزيت. وهناك من يحمل النار. وحقيقة الأمر أن كل واحد منا غريزيا يحمل بيديه هذا وذاك، أياً كان مذهبه ودينه وعقيدته ومعتقده، شريطة المحافظة على مسافة آمنة بينهما. ولوحظ في السنوات الماضية أن عملية تقريب الزيت من النار أصبحت مسألة حدث عادي وليس عابرا.
وأن هناك من يستسهل تقريب العنصرين من بعضهما دون إدراك. وهناك من يستسيغ فعل ذلك بغاية أو دون غاية. وهناك من يهدف لذلك لحاجة في نفسه.
وهذا إما لغرض شخصي، للحصول على بعض الانتباه إلى وجوده المهمل حبا في الظهور والشهرة بأرخص الأثمان، وإما لغرض إثارة الاصطدام بين طائفتين تعيشان في سلام وأمن، وهذا الأخير قد يكون إما يقوم بذلك لسبب شخصي (كالبيرومان المريض النفسي الذي يعاني من مرض هوس رؤية النار تشتعل في كل شيء)، وإما بتدبير من مجموعات تستفيد من ذلك العمل.
الأول مريض نفسيا ويحتاج إلى مصح يعيد إليه توازنه الداخلي، لأن المسألة في النزاعات الطائفية تتعدى بكثير احتراق مجرد منزل أو غابة، وتصل إلى اصطدام شعوب تدين بديانات مختلفة قد يستمر قرونا طويلة، مخلفا الموت والكراهية والحقد والموت والنهاية المظلمة لكلا الفريقين.
والثاني ينفذ أمرا بأجر، وهو بالتالي أداة رخيصة في يد مجموعة تهدف إما إلى الكسب المادي البعيد الأمد من خلال عرض وبيع آخر صناعات الموت المستخدمة في النزاعات على الطائفتين، وهؤلاء ازدادت أعدادهم تماما كما ازداد عدد سماسرة السلاح وأرباب المصانع التي لا تنتج سوى البارود.
أو مجموعة ضعيفة مضمرة تهدف إلى إثارة الفتنة بين طائفتين لغرض التفوق عليهما بعد أن تضعف قواهما وينهارا، وبالتالي تسهل التغلب عليهما. والتغلب أو التفوق هنا قد يكون له طابع سياسي أو ديني أو مذهبي أو حتى اجتماعي واقتصادي بل واستراتيجي.
وعندما نقول مجموعة، فإن هذه المجموعة تبدأ من المنظمة الصغيرة مرورا بالجالية ومن ثم دويلة كدويلة إسرائيل في حجمها وعدد سكانها وتنتهي بدولة بحجم الولايات المتحدة الأميركية أو روسيا.
ومن يقوم بالتخطيط لمثل هذه العمليات الدقيقة أشخاص يمتلكون عقولاً جبارة يتميزون بقدرات خارقة على تحقيق أهدافهم دون أن يشعر بهم أحد. وأياً كان الغرض وصاحب الغرض، فالمستفيد من هذه النعرات الطائفية عدة جهات متفرقة قد تجمعهم المصلحة في رؤية النيران تشتعل في كل شيء. وفي الوقشت ذاته هناك خاسرون في كل مكان.
فالخلافات الطائفية نادرا ما تنتهي بمنتصر أو دون إصابات عظيمة مزمنة من الجانبين. وعندما نقرأ مثلاً سيرة الحروب الصليبية، وهي حروب دينية سياسية مائة بالمائة، نظن من الوهلة الأولى بأنها مسألة لا تتعدى الخلاف على موقع جغرافي محدد يمثل رمزا دينيا لفئة يقع تحت سيطرة فئة أخرى ترى فيه رمزا دينيا يخصها، أو انتقاما متأخرا لفتح العرب للأندلس.
بينما الأسباب تتعدى ذلك بكثير. فالمؤلف اللبناني جورج قرم يذكر في كتابه (تاريخ الشرق الأوسط من القدم حتى الحاضر ص 56 صادر من دار نشر لا ديكوفرت الفرنسية عام 2007) يذكر بأن واحداً من أهم دوافع الحروب الصليبية كان «حاجة البابوية الأوروبية إلى تلميع صورتها في المعركة التي وضعتها وجها لوجه مع السلطة السياسية التي أضعفتها.
فقد رأت البابوية أن من مصلحتها عرقلة صعود السلطة الزمنية في أوروبا من خلال تجنيدها (توريطها) في حروب مقدسة خارج أوروبا». ومما يجدر الإشارة إليه أن كافة هذه الحملات الصليبية السبعة باءت بالفشل الذريع. وهذا يدل على أن مثيري الفتنة قد يدفعون هم الثمن قبل خصمهم.
الأمر الثاني الذي نود الإشارة إليه، هو أن إثارة النعرات الطائفية تدل على أحد شيئين:
الأول: أن الشخص الذي يدعو إليها متخلف ثقافيا ودينيا. فجميع الثقافات والديانات السماوية لا تدعو إلى الفتنة والحروب التي تنتج عنها. بل تدعو إلى السلم والبناء والتعايش بين الشعوب على مختلف ألوانها ودياناتها. ولم يشجع الإسلام الحرب إلا للدفاع عن الدين الإسلامي، (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله).
وأيضا تعاليم المسيح عليه السلام تدعو إلى نبذ الخلافات وتشجيع التسامح بين البشر. وما ينطبق على الحروب الصليبية ينطبق على كافة الحروب التي اشتعلت بعد ذلك حتى يومنا هذا. فلم تعد الحروب والخلافات شريفة الدوافع ولا الأهداف.
الأمر الثاني: هو أن العالم يسير في طريق يتجه فيما يبدو نحو الهاوية. فالحروب والخلافات الطائفية تحت مسمى صدام الحضارات أصبحت سمة العصر، ولا يوجد ما يبشر بنهايتها. وعلى رجال الدين بالذات ؟
من صح اعتقادهم وصفا ضميرهم - تقع مسؤولية الوعظ والدعوة إلى كبح جماحها. وعندما لا يجد رجال الدين حلاً لأي قضية من القضايا الدنيوية سوى في إثارة الخلافات الطائفية والنعرات المذهبية والتصريحات غير المسئولة وما ينتج عنها من ضرر وهدم، فهذا يعني أن القيادة الروحية للبشرية ؟
أيا كانت العقيدة التي تقود زمامها وتدعو لها، دون تمييز - لم تعد صالحة ولا بد من تغييرها. وهذا يذكرنا بما يحدث في الآونة الأخيرة في بلد مثل مصر حيث تعيش جميع الديانات في سلام وأمن.
وطبيعي أن يوجد اختلاف ؟ وليس خلافا - بين المذاهب والأديان، وتوجد منافسة شريفة بين الطرفين تؤدي كلها إلى الرب، ولكن عندما تتحول المنافسة إلى الوصول إلى الله، والتعبير عن الظلم إلى فتنة، والفتنة إلى قتال، والقتال إلى سقوط ضحايا بما يشبه قصة هابيل وقابيل، فهنا لا بد من وضع خط أحمر يليه سؤال: (إلى أين أدى الصراع الطائفي أينما كان وحيثما حل؟)..
مصر يعيش فيها اليوم 80 مليونا من البشر، وعدد المسيحيين بين سكان مصر مختلف عليه ما بين 5 بالمائة ومن يدعي أنه 12 بالمائة. وأي خلاف ناتج عن تصريحات قد تشعل حربا أهلية قد يخفض عدد سكان مصر إلى النصف.
ترى من هو المستفيد في النهاية من كل ذلك؟ مصر؟ المسلمون؟ المسيحيون؟ أم جهات أخرى ذات أغراض غير معلنة؟
جامعة الإمارات
