من الخطأ أن تتصور واشنطن أو إسرائيل أن صبر روسيا على رئيس جورجيا ميخائيل ساكاشفيلي بلا حدود، ومن الخطأ أيضاً أن يتصورا أنه من الممكن استخدامه كورقة ضغط على روسيا، فقد لاحظنا مؤخراً أن إسرائيل بدأت تلوح بورقة الدعم العسكري لساكاشفيلي كرد على توريد السلاح الروسي لسوريا.

وقد سبق أن استخدمت نفس الورقة ضد تزويد روسيا لإيران بالسلاح، وتعلم إسرائيل جيداً أن أي سلاح مهما كانت قوته لن يجدي ولن ينفع ساكاشفيلي إذا فكر في خوض مغامرة طائشة جديدة ضد روسيا.

وكذلك الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، فبعد أن ذهبت إدارة بوش التي قدمت الدعم المادي والعسكري الكبير لساكاشفيلي، جاءت إدارة أوباما التي أبدت الكثير من النوايا الحسنة وروح المودة تجاه روسيا، ولكن على ما يبدو أن السياسة الأميركية تجاه روسيا لم تتغير كثيراً.

فقد انتقل ميراث نائب الرئيس السابق بوش ديك تشيني، الذي كان يكن كراهية غير عادية لروسيا، إلى خلفه جو بايدن نائب أوباما، والذي حصل من موسكو مؤخراً على ما حصل عليه سلفه تشيني، وأصبح هو أيضاً شخصاً غير مرغوب فيه وممنوع من دخول روسيا.

وذلك بعد زيارته لجورجيا في يوليو من العام الماضي وتصريحاته المعادية لروسيا هناك، أما وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التي تبدي أكثر مودة لروسيا من سلفتها كوندوليزا رايس، فعلى ما يبدو أن كلينتون تنوي هي أيضاً تفعيل تركة رايس في جورجيا والجوار السوفييتي السابق لروسيا، وقد انعكس هذا بوضوح في تصريحاتها في العاصمة الجورجية تبليسي التي قالت فيها ان «واشنطن ستدعم جورجيا في سيادتها على أراضيها».

وتقصد بالتحديد أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا اللتان أعلنتا استقلالهما واعترفت بهما موسكو كدولتين مستقلتين، وتفوقت كلينتون على رايس عندما وصفت علاقة روسيا بأوسيتيا وأبخازيا بالاحتلال الذي ترفضه واشنطن لأنه احتلال لأراضي جورجية.

تصريحات كلينتون رفضتها موسكو واعتبرتها تصرفات غير لائقة ولها تأثيرات سلبية على العلاقات بين موسكو وواشنطن، ورد رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين على هذه التصريحات محذراً جورجيا ونظام الرئيس ساكاشفيلي من البحث عن حلول لأزماتهم لدى واشنطن، وكأن لسان حال بوتين يقول لساكاشفيلي «لن تنفعك واشنطن بشيء».

ويذكر أنه عندما اعتدت جورجيا على جارتها الصغيرة أوسيتيا الجنوبية في أغسطس عام 2008 وقتلت المئات من النساء والأطفال والمدنيين، وتصدت لها القوات الروسية وأجبرتها على التراجع وطاردت القوات الجورجية داخل أراضيها، رأى البعض في العالم أن روسيا تمادت في استخدام القوة ضد جورجيا.

وقال البعض ان الروس انتهزوا الفرصة لاستعراض قوتهم وإعلان عودتهم كقوة عظمى للساحة الدولية، ولم تعط موسكو اهتماماً لهذا الكلام لأنها كانت تقوم بمهماتها التي التزمت بها أمام المجتمع الدولي وأمام جماعة الدول المستقلة في المنطقة المحيطة بها.

ولم تبق القوات الروسية داخل الأراضي الجورجية سوى لأيام معدودة وانسحبت بناءً على طلب من الدول الأوروبية بموجب مبادرة من الرئيس الفرنسي ساركوزي التزمت بها روسيا تماماً، الأمر الذي لقي استحساناً وتقديراً من الأوروبيين الذين أدانوا فيما بعد هجوم جورجيا على أوسيتيا الجنوبية، وعدلوا تماماً عن فكرة ضم جورجيا لحلف الناتو، الأمر الذي دفع الرئيس الجورجي ساكاشفيلي إلى اتهام الأوروبيين بمحاباة روسيا على حساب جورجيا.

في ظل هذا المناخ يصبح الحديث عن تحسن العلاقات بين موسكو وواشنطن في ظل إدارة أوباما درب من الأوهام، فنهج الإدارة الأميركية الآن لا يختلف كثيراً عن نهج الإدارة السابقة تجاه روسيا.

والاستفزاز الأميركي لموسكو مستمر وقد يتطور في الآونة القادمة، وواشنطن تعلم جيداً أن نقطة الاستفزاز الكبرى عند روسيا هي الجوار السوفييتي السابق والعبث فيه، وتعلم أيضاً أن ساكاشفيلي ليس له مستقبل في جورجيا، وأن ما تبقى له من الوقت قليل، وأن المعارضة جميعها متكتلة ضده.

وأن الشعب الجورجي لم يعد يحتمل الخلافات والمشكلات مع الجارة الكبيرة روسيا التي يعمل في أراضيها ما يقرب من مليون مواطن جورجي وتستقبل أسواقها أكثر من ثلثي منتجات جورجيا الزراعية، ولا يتحمل الشعب الجورجي مغامرة طائشة جديدة من ساكاشفيلي مع روسيا، ولهذا على واشنطن وتل أبيب أن يستوعبا هذا الأمر جيداً ويكفا معاً عن التلويح بورقة ساكاشفيلي المحروقة في وجه روسيا.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru