من المعروف أن سكان المدن، هم أكثر إصابة بالاكتئاب وأقل الناس نوماً وأكثر الناس إصابة بضعف السمع جراء الضجيج، وعمليون أكثر ولاهثون أكثر، ويومهم أقصر من أيام غيرهم، ساعاتهم تمر كالبرق، عجولون، لا وقت لديهم لصفاء ولا استرخاء، فالمدن الكبرى تدخل الإنسان ضمن آلتها، فيبدو إنساناً منهكاً، وكثيراً ما يصاب بالعصاب. ولعلماء النفس والاجتماع أقوال وتنظيرات في هذا الإنسان الذي تحيله المدن الكبرى إلى رقم.

مدننا اليوم اكتظت بالبشر والناس والسيارات وضجيج العمل وتلوث الجو، ونحن في المدينة نشعر بضغط كبير وأحمال ثقيلة فوق رؤوسنا، تطحننا بكل ما تزدحم به من أحداث وأخبار وحركة.. فصل الشتاء على الأبواب، والهرب من المدن يصبح غاية حينما يطيب الرحيل إلى المناطق النائية، جبلية كانت أو ساحلية أو صحراوية، حيث تنخفض حرارة الجو، وتبدو الأمكنة أكثر إمتاعاً، والصمت والسكنية مدعاة للذة والرغبة في الهدوء.

ولدينا في البلاد أماكن منها ما يرتاده الناس والسياح هرباً من ضجيج المدن، ومنها ما زالت أماكن بكر لم تطأها قدم، واستغلال هذه الأمكنة وتهيئتها مهم جداً لأمور عدة، منها إشباع رغبة الاكتشاف، ومنها توفير أماكن قابلة للاستثمار السياحي.

وهذا لا يعني أن تقوم المدنية بغزوها، كما حدث في أماكن كانت في يوم من الأيام من أجمل أماكن الطبيعة عندنا، ليأتيها الاسمنت، وقبله الجرافات التي أزالت ملامح الجمال الطبيعي فيها، وانتقل إليها الضجيج بعدوى من المدينة، لتصاب بالأمراض نفسها التي ابتليت بها المدن. وما نقصده في عميلة تهيئة تلك الأماكن الجميلة في طبيعتنا، هي أن توفر لها أساسيات بسيطة تكفل للإنسان أن يمر بها وان يتمتع بطبيعتها دون مساس.

ففي البلاد هناك وديان ومناطق تحتاج إلى أمور بسيطة ليسهل الوصول إليها، كتمهيد وتعبيد طريق، أو تسطيح مساحة تقف فيها السيارات، أو مظلات، أو ما شابه من هذه الأمور، أمور يفضل أيضاً ألا تتدخل فيها مواد الاسمنت والحديد، وان يتم بناؤها أو عملها من مواد الطبيعة ذاتها.. مثل هذه الأماكن ومثل هذه الإعدادات تضيف وتساعد هذه المناطق والقاصدون إليها.

ومثل هذه الأمور حدثت من خلال بعض الاجتهادات من بلدات وفروع بلدات في مناطق عندنا، لكنها مازالت دون الطموح، وبعضها لم يلق رواجاً لنقص في خبرة ترويج الأمكنة وعدم معرفة الناس بها.

الأماكن البكر، هي التي تغري الإنسان على اكتشافها، هذه الخلاصة التي نريد الوصول إليها، فكيف يستطيع قطاع السياحة عندنا أن يعادل أطراف هذه المعادلة دون المساس بالطبيعة، وكيف يتم الترويج لها، وكيف لأفكار ذكية أن تجعلها مقصداً للناس، يسترخون فيها ويرتاحون دون أن تمسها يد غريبة!

mhalyan@albayan.a