في المقابلة التي أجريت معه في برنامج «هذا الأسبوع» على محطة «اي بي سي» الفضائية، في التاسع عشر من سبتمبر المنصرم، ذكر الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للإعلامية كريستين أمانبور التي أجرت معه المقابلة، أن إيران منفتحة للحوار مع الولايات المتحدة حول الوضع في أفغانستان وحركة «طالبان».
وأضاف أن إيران على استعداد للتعاون مع الولايات المتحدة «إذا رغبت الأخيرة حقاً في إعادة النظر بسياساتها في أفغانستان والعراق، والعمل على تلبية مصالح شعبي هذين البلدين». كما أكد الرئيس الإيراني، في المقابلة نفسها، رغبة بلاده في العودة للحوار حول برنامجها النووي، مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وألمانيا.
وكان الرئيس الأميركي أوباما قد أعرب في وقت سابق، عن استعداد الولايات المتحدة للتحاور الدبلوماسي مع إيران حول أفغانستان، وهو في انتظار الرد الإيراني.
ومع أن الرئيس الإيراني لم يجعل موافقة طهران على الحوار مع الولايات المتحدة حول أفغانستان، شرطاً للحصول على بعض التسهيلات في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، إلا أن تصريحه لا يخلو من طابع إيحائي بأن إيران تربط هذا بذاك.
تصريحات الرئيس الإيراني جاءت استجابة للعرض الأميركي، وهذا ما يمكن تفهمه، فطهران راغبة فعلاً في كسر الجمود الذي يسود علاقاتها مع الغرب، لتحقيق انفراج يخدم مصالحها الواسعة والمتشعبة، سواء في منطقة الشرق الأوسط أو خارجها.
ولكن ما لا يمكن تفهمه هو قيام الرئيس الإيراني نفسه بتعكير صفو ذلك بعد أيام معدودات فقط، في الثالث والعشرين من سبتمبر المنصرم، حين ألقى كلمة بلاده أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وأثار موجة عارمة من الغضب لدى الأمريكيين، عندما قال إن معظم الناس يعتقدون بأن الولايات المتحدة كانت وراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وأن «بعض جهات الحكومة الأميركية» قد خططت للقيام بتلك الأحداث، من أجل مساعدة إسرائيل. مما حدا بالرئيس الأميركي باراك أوباما للقول إن تصريحات الرئيس الإيراني «مسيئة وكريهة».
والحقيقة إن موافقة إيران على الدخول في حوار مع الولايات المتحدة، تأتي في الوقت الذي تواجه فيه واشنطن صعوبات ومتاعب كثيرة في أفغانستان، فحلفاؤها الغربيون في الناتو غير راغبين في زيادة إسهاماتهم في الحرب الأفغانية من جهة، كما تراجع الدور الذي اعتاد الجيش الباكستاني القيام به لمطاردة منتسبي حركة «طالبان» في مقاطعة وزيرستان، بسبب انشغاله بمعالجة تداعيات الفيضانات المدمرة التي تعرضت لها مقاطعات عديدة من باكستان، من جهة أخرى.
كما تواجه الولايات المتحدة عقبات كثيرة في العراق، قد تعرقل خططها لإتمام الانسحاب نهاية عام 2011، خاصة بعد أن فشلت النخب السياسية العراقية في الوصول إلى اتفاق حول شكل الحكومة القادمة، رغم مرور سبعة شهور على الانتخابات النيابية الأخيرة.
سادت العلاقات الأمريكية الإيرانية على مدى السنوات المنصرمة، أجواء متشنجة طغت فيها لغة التحدي من جانب إيران، ولغة التهديد من جانب الولايات المتحدة، على لغة الدبلوماسية الهادئة.
ملفات كثيرة شائكة تعيق الحوار الهادئ بين الطرفين وتحتمه في الوقت نفسه، فما الذي تسعى إليه إيران من المرونة التي تبديها إزاء الولايات المتحدة في ما يتعلق بالملف الأفغاني، خاصة وأن الأخيرة لم تبد من جانبها، في العلن على الأقل، ما يشجع طهران على إبداء هذه المرونة، فهي ماضية في تنفيذ جولات العقوبات الأربع التي فرضت على طهران من قبل مجلس الأمن الدولي!
فتح الحوار بين إيران والولايات المتحدة حول أفغانستان، يخدم في الحقيقة إيران أكثر مما يخدم الولايات المتحدة. ولأجل فهم هذه المعادلة الملتبسة، علينا الإقرار بأن المدخل الطائفي وحده لا يقدم تفسيراً للحضور الإيراني في أفغانستان، كما هو الحال في العراق، رغم أهميته بالنسبة لإيران، إذ لا تزيد نسبة الشيعة (الهزارة) في أفغانستان على 20% من السكان.
فهناك منطلقات أخرى ترسم الأطر العامة للاستراتيجية الإيرانية في أفغانستان بعضها مستلهم، رغم القطيعة التاريخية، من إرث إيران الساسانية والصفوية والأفشارية والقاجارية، وبعضها يتمحور حول الأمن القومي لإيران ومصالحها السياسية والاقتصادية، سيما وأن أفغانستان هي مدخل إيران إلى جمهوريات آسيا الوسطى.
فبعد فترة وجيزة من نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، بدأت طهران تفرض نفسها لاعباً مهماً في الساحة السياسية الأفغانية، وتعاظم دورها كثيراً بعد الانسحاب السوفييتي من الأراضي الأفغانية، حين بدأت الفصائل الأفغانية تتقاتل مع بعضها البعض. إلا أن هذا الدور تراجع كثيراً مع ظهور حركة «طالبان» التي حسمت الصراع داخل أفغانستان وتسلمت الحكم عام 1996.
لكن طهران لم تستسلم لذلك، بل بدأت بمعاداة هذه الحركة، وتصاعدت حدة العداء لها إلى الحد الذي دفعها في النهاية إلى تقديم الدعم الاستخباري والعسكري والاقتصادي والسياسي، للقوات الأمريكية الغازية عام 2001.
مصلحة طهران تكمن في إضعاف حركة «طالبان» ومنعها من العودة إلى الحكم في أفغانستان، وهو هدف يقربها للولايات المتحدة، ويصلح لأن يكون مدخلاً للجلوس على مائدة مفاوضات، قد لا يقتصر الحديث فيها على الشأن الأفغاني فحسب.
أما ما تستطيعه طهران في هذا الصدد، فهو ليس بالقليل، كونها تتحكم في ملفات مهمة في أفغانستان، منها نفوذها على بعض الفصائل المسلحة التي تتلقى منها دعماً عسكرياً، وإمساكها ملف اللاجئين، وحيازتها على ملف استخباري تطمح الولايات المتحدة إلى التعرف إلى ما فيه من معلومات، وربما علاقات مع بعض الفصائل الموصوفة ب«الإرهابية»، وقد لا يكون ملف المخدرات بعيداً عن التداول في أتون الحرب الأفغانية القائمة.
في ضوء تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، والاتصالات غير الرسمية التي جرت بين مسؤولين أميركان وآخرين ضمن الوفد الإيراني الذي يرافق الرئيس نجاد إلى نيويورك، يجري الحديث عن إقامة قناة حوار سرية بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما نشرته صحيفة «هآرتز» الإسرائيلية في الرابع والعشرين من سبتمبر المنصرم، بناء على معلومات تلقتها من مصادر موثوقة، حسب ادعائها، وإن كان نفاه المتحدث باسم الخارجية الأميركية فيليب كراولي.
ولعل قيام إيران بإطلاق سراح السائحة الأميركية سارة شورد مؤخراً وعودتها إلى الولايات المتحدة، وهي خطوة حظيت بثناء الإدارة الأمريكية، ينسجم مع سيناريوهات المسارات غير المعلنة بين البلدين.
كاتب عراقي
