ستبقى لصيف عام 2010 ذكرى مؤلمة لجميع المواطنين الفرنسيين المتمسّكين بقيم الجمهورية. وشعار «الحريّة والمساواة والإخاء» المنقوش على واجهات المباني الفرنسية العامّة، قد نسيته الحكومة كما يبدو، وسلسلة الأحداث الأخيرة تثير القلق.
الملف الأكثر ترددا في وسائل الإعلام، هو ملف «الغجر» منذ شهر يوليو/ تموز الماضي. إن وزير الداخلية ووزير الهجرة ينفّذان حرفيا النهج الذي حدده رئيس الجمهورية، ويفتخران يوميا بالانتصار وتفكيك مخيمات الغجر وطردهم إلى رومانيا.
لا شك أن دمج بعض فئات السكان يشكّل تحديا كبيرا، ومن الصعب حلّه نظرا للأزمة الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع الفرنسي. والحلول التي ينبغي تطبيقها بالسرعة القصوى، لا يمكن أن تكون إلاّ على الصعيد الأوروبي. لكن من غير المقبول استهداف مجموعة من السكّان على أساس إثني.
إننا نعرف، للأسف، منذ وقت طويل، أنه في زمن الأزمات لا يتردد بعض الساسة في استخدام الخوف كأداة، من أجل تحويل الأنظار نحو مواضيع ثانوية، وزرع التفرقة بين المواطنين. وهكذا تكرر في العقد الماضي الخطاب الأمني ذاته، بقصد كسب أصوات ناخبي اليمين المتطرّف. وجرى التخويف من الآخر على أساس أنه مختلف.
إن مثل هذا التكتيك نجح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كما تدلّ النتائج المتراجعة التي حققها الحزب العنصري برئاسة جان ماري لوبن وابنته. لكن استخدام مثل هذه الطرق شديد الخطورة بالنسبة لفرنسا، ذلك أنها تتنافى مع القيم التي تأسست عليها منذ الثورة. والربط بين الجنوح والهجرة خطأ سياسي، وغير مقبول أخلاقيا. ومنذ أسابيع تنهار أشكال النقد والإدانة على فرنسا.
إن لجنة إلغاء التمييز العنصري التابعة للأمم المتحدة، والسلطات الدينية ـ البابا نفسه ـ والهيئات الأوروبية، أدانت كلّها سياسة السلطات الفرنسية حيال الغجر. وبدلا من أن تأخذ الحكومة في اعتبارها النقد الموجّه لها وتعدّل الإجراءات المطبّقة، لجأت إلى القدح والتحريض. ولم يتردد إيريك بيسّون، وزير الهجرة، في توجيه النقد الشديد للمفوضية الأوروبية. وبيير لولوش، سكرتير الدولة للشؤون الأوروبية، قلل من دور الهيئات الأوروبية. ونيكولا ساركوزي نفسه، اعترض بطريقة عنيفة على مانويل باروزو، رئيس المفوضية الأوروبية، أثناء انعقاد المجلس الأوروبي يوم 16 سبتمبر/ أيلول.
إنها سياسة الأرض المحروقة، تلك التي انتهجها القادة الفرنسيون بابتعادهم عن كل خطاب عقلاني. هذا مع أن التحديات الحقيقية للمجتمع الفرنسي، لا يمكن اختزالها إلى المسائل الأمنية.
سلسلة الأحداث هذه تجري في فترة تواجه فيها فرنسا تحديات اجتماعية معقّدة، خاصة ذلك التحدّي المتعلّق بإصلاح نظام التقاعد. إن الرهان كبير هنا بالنسبة لملايين الفرنسيين، وأكثر أهمية بكثير من وجود بضعة آلاف من الغجر في فرنسا.
في مثل هذا السياق، يشهد معسكر اليمين الحاكم حالة من الانقسام، لا سيما وأن الرئيس ساركوزي قد أعلن خلال الصيف عن تعديل حكومي، وكل وزير يتساءل عمّا إذا كان سيبقى في منصبه بعد بضعة أسابيع.
وقد أعلن وزيران أساسيان؛ هما وزير الدفاع ووزير الخارجية، عن اختلافهما حيال التعامل مع ملف الغجر، دون أن يستقيل أحدهما، كما أخذ رئيس الوزراء نفسه مسافة شكلية عن رئيس الجمهورية. مثل هذا الوضع لم تعرفه أبدا الجمهورية الخامسة الفرنسية في تاريخها.
إن الجو العام يتدهور، ودوائر السلطة تجد نفسها في حالة هروب إلى الأمام، وهي غير قادرة على كبحه. الوضع بلغ درجة من الخطورة تتطلّب التحرّك سريعا، وصورة فرنسا تدهورت على الصعيد الدولي، وفقد الرئيس من مصداقيته على الصعيد الفرنسي وفي الخارج، فالنجاحات التي حققها في الانتخابات الرئاسية قد أصبحت وراءه.
باختصار، لا يمكن لفرنسا أن تكون على صواب والجميع على خطأ. والخطاب الأمني لا يمكن أن يشكّل سياسة حقيقية.
في المحصّلة، بات من الملحّ أن تستعيد السلطات السياسية تماسكها، وأن يتم الدفاع عن قيم الجمهورية.
رئيس تحرير المجلّة الدولية والاستراتيجية المركز الفرنسي للعلاقات الدولية والاستراتيجية