أصدر الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف منذ أيام، مرسوما يحظر تسليم إيران منظومات دفاع جوي صاروخية من طراز «س- 300»، وأسلحة أخرى مثل الدبابات والمدرعات والطائرات الحربية، وذلك وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي الذي يحظر تصدير أسلحة محددة إلى إيران.
ويحظر المرسوم الرئاسي كذلك «الترانزيت عبر الأراضي الروسية (بما في ذلك الترانزيت الجوي)، والنقل من روسيا إلى إيران، وكذلك تسليم إيران خارج حدود روسيا باستخدام السفن البحرية والجوية التي ترفع العلم الوطني الروسي، لأية دبابات وعربات قتالية مدرعة وأنظمة مدفعية من العيار الثقيل.
وكذلك الطائرات القتالية والمروحيات القتالية والسفن الحربية والصواريخ أو المنظومات الصاروخية، المسجلة في قيد الأمم المتحدة كأسلحة تقليدية، وأية وسائط مادية تتعلق بجميع ما ذكر، بما في ذلك قطع الغيار».
الواقع أن كل ما ورد من محظورات في المرسوم، لا قيمة له لدى إيران سوى منظومة الصواريخ «س ؟ 300»، وكان من المفترض أن تحصل إيران بموجب العقد الذي تم توقيعه في عام 2007، على خمس بطاريات من صواريخ «س - 300 ب م أو-1»، إلا أن روسيا أعلنت رسميا، بعد أسبوع من صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1929، أن الحظر الذي فرضه ذلك القرار ينطبق على منظومة «س-300» أيضا.
وطالما تمنى الإيرانيون أن يحصلوا على هذا السلاح الذي يفوق كفاءة نظام «باتريوت» الأمريكي، إلا أنه على ما يبدو أن تمنياتهم لم تتناسب مع إمكانات روسيا السياسية، إذ لا يمكن لروسيا إلا أن تأخذ بعين الاعتبار موقف الأطراف المعنية الأخرى.
وعلى الأخص الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، اللتين أعلنتا أن وصول صواريخ «س- 300» الروسية إلى إيران سيخل بميزان القوى في المنطقة، وأن الإيرانيين سيحمون منشآتهم النووية من هجوم جوي محتمل بمساعدة هذه الصواريخ.
وهناك معلومات مفادها أن موسكو أبلغت واشنطن قبل عام باستعدادها لعدم تنفيذ هذا العقد، ولكن هذا لن يكون بدون مقابل، وهو الأمر الذي أشعل جدلا واسعا حول المقابل الذي ستتلقاه روسيا من واشنطن، كثمن لعدم توريد هذه المنظومة من الصواريخ لإيران.
الواقع أن لدى روسيا التزامات عسكرية نحو دول أخرى في هذه المنطقة الحيوية والساخنة من العالم، وهي المنطقة التي خرجت منها روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتسعى بجدية للعودة إليها الآن، فقد فشل الإسرائيليون والأمريكيون في إقناع روسيا بعدم توريد صواريخ «ياخونت» المضادة للسفن الحربية إلى سوريا.
إذ أكد وزير الدفاع الروسي أناتولي سيرديوكوف أثناء وجوده في واشنطن منذ أيام قليلة، أن روسيا ستنفذ عقد توريد هذه الصواريخ إلى سوريا، شاء الآخرون أم أبوا.
المرسوم الروسي أوحى للكثيرين وكأن روسيا حسمت علاقاتها مع إيران في الشأن العسكري، خاصة وأن الأمر تجاوز حد التصريحات إلى مستوى المرسوم الرئاسي المكتوب والموقع من رئيس الدولة، ولكن رغم هذا، هناك أيضا الكثير من المراقبين والمحللين يرون أن الأمر بخلاف ذلك تماما.
وأنه لا يعدو كونه جولة جديدة من جولات المسلسل الروسي الإيراني، الذي تتصاعد أحداثه أحيانا كثيرة وتوحي بحدة الخلافات ووشوك انهيار العلاقات، ثم يتضح بعد ذلك أن الأمور بخلاف ذلك تماما، وأن التصعيدات تأتي دائما للتغطية على سيناريوهات أخرى أو خطط يجري تمريرها.
وربما يكون المخطط في هذه المرة هو تمرير صفقات السلاح الروسية لسوريا، وهي الصفقات التي يبدو أن إسرائيل منزعجة منها تماما، خاصة وأن المرسوم الروسي جاء في توقيت تسوده حالة من الهدوء العام وعدم التصعيد بين واشنطن وطهران، وكذلك تراجع في تصريحات إسرائيل ضد إيران.
واستبعاد الجميع لاحتمال توجيه ضربة لإيران، الأمر الذي يثير التساؤلات حول مبررات صدور هذا المرسوم الروسي في هذا التوقيت بالتحديد، كما أننا لم نسمع أية ردود حادة من طهران على هذا المرسوم الروسي، وكان من المتوقع أن ينهال الرئيس الإيراني نجاد على روسيا بالانتقادات والتهديدات، لكنه لم يفعل.
الواقع أنه لا يمكن لأحد أن يتصور أن روسيا يمكن أن تضحي بحليف استراتيجي وشريك تجاري هام مثل إيران، من أجل أي مقابل، ومن المؤكد أيضا أن منظومات صواريخ «س ؟ 300» الروسية ستصل إيران في التوقيت المناسب، وبالتحديد عندما تكون إيران في حاجة ملحة وحتمية لها.
رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي
mekhaelovna@mg.ru