موجزُ الخبرِ أنّ المغربَ أطلقَ أخيراً خطّةً لتحويلِ المراكزِ السابقة للاعتقال السريِّ، إلى فضاءاتٍ وأماكنَ ومؤسساتٍ ثقافيةٍ، لحفظِ ذاكرةِ تلك المعتقلات السياسيّة، تطلعاً إلى عدم تكرارِ الانتهاكاتِ التي شهدتها مستقبلاً.
ويستحقُّ الخبر، منّا نحنُ العرب المشارقة خصوصاً، الانتباهَ إليه، لأنّه يضيءُ على الحالةِ الديمقراطيةِ الأنضج في المشهد العربيِّ العام، والتي كانت من تمثيلاتِها خطةُ جسورةُ في «جبر الضّرر الجماعي» لضحايا الانتهاكات الجسيمة في المعتقلات، في أثناءِ ما يُسمّيها المغاربةُ «سنواتِ الجمر والرّصاص» التي شهدت احتقاناتٍ حادّة.
وقامت الخطةُ بما هو استثنائيٌّ وغيرُ مسبوقٍ عربياً، وأشرفت على تنفيذِها «هيئة الإنصافِ والمصالحة» التي تشكلت بقرارٍ ملكيٍّ، وأتاحت لمئاتٍ من أولئك الضحايا أن يتحدّثوا عمّا تعرّضوا إليهِ من عسفٍ شديدٍ في اعتقالاتٍ سياسيةٍ غيرِ قصيرة، ما بين 1960 إلى 1999.
في جلساتِ استماعٍ أنصتَ إليها المغاربةُ أيضاً في التلفزةِ والإذاعةِ الرسميّتين. وفي صيفِ 2007 دفعت الدولةُ 140 مليون يورو تعويضاتٍ إلى 23676 من أولئك الضحايا وغيرِهم.
يندرجُ تحويلُ معتقلاتٍ سريّةٍ سابقةٍ إلى فضاءاتٍ ثقافيةٍ، إذنْ، في مسارٍ من قطيعةِ المغربِ مع ماضٍ صعب، تقرّرَ رسمياً وأهلياً طيُّ صفحتِه، في إجراءاتٍ عمليّةٍ تأخذُ البلادَ إلى أفقٍ جديد.
وإنْ وَجَدت هذه الإجراءاتُ من يُؤشِّرُ إلى «نواقص» فيها، من قبيلِ أنَّ اعتذاراً من مرتكبي الانتهاكاتِ للضحايا لم يحدُث، وأنّ اعتذاراً عنها من الدولةِ لم يتمّ.
وجاءَ النقاشُ الواسعُ في هذه الأمورِ وغيرِها مع تقدّمٍ كبيرٍ في الخيارِ الديمقراطيِّ الذي تُدلّل عليه صحافةٌ حرّةُ إلى حدٍّ مدهشٍ عربياً، ما تسبّبَ لبعضِها بمحاكماتٍ وإجراءاتٍ رسميّةٍ، محقّةٍ وأخرى غيرِ محقّة.
وتدلّلُ عليهِ الحيويّةُ النشطةُ في عملِ تشكيلاتِ المجتمع المدنيِّ وتكويناتِه العديدة، والتي طرحت قضايا الماضي والحاضر للمساءَلة والحوار، وساعدَ على ذلك كله أنّ الإرادة السياسيّة للقصر كانت في اتجاهِ الانخراطِ في مشروعٍ ديمقراطيٍّ، يتطلعُ المغاربةُ إلى أنْ يكونَ حَداثياً، فلا يقلُّ عن المتحقّق في الجوارِ الأوروبيِّ شمالاً.
وحين نغبطُ أصدقاءَنا هناك على ما ترفلُ فيه بلادُهم من أجواءِ حوارٍ حرّة، ومن خوضٍ شجاعٍ في قضايا محرّمّةٍ سابقاً، يُعقّبُ بعضُهم بالحديثِ عن «مثالب» في هذه التجربة، تجعلها أقلّ مما يطمحون إليه.
وممّا يحسنُ التنبيهُ إليهِ في الإضاءةِ الموجزةِ هنا على الاستثناء المغربيِّ في المشهدِ العربيّ، أنّ ما يتمُّ إنجازُه هناك على صعيدي الرهانِ الديمقراطيِّ والمكاشفةِ مع الماضي، هو من نواتجِ نضالاتٍ خاضتْها نخبٌ وقويً حزبيّةٌ وسياسيّةٌ مغربيّةٌ، راكمت تضحياتٍ مشهودة.
واللافتُ أنّ أوّلَ من ترأس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي تأسّسَ بقرارٍ ملكي، وينهضُ بمهمّةِ تحويلِ معتقلاتٍ سرية سابقةٍ إلى أمكنةٍ ثقافيّة، هو الراحل إدريس بنزكري الذي قضى 17 عاما في بعضِ تلك المعتقلات، ولمّا تُوفيَّ قبل ثلاثِ سنواتٍ نعاهُ الملك محمد السادس ووصفَه بأنّه «مناضلٌ فذ»...
ولا يَضْرِبُ أحدٌ في الودعِ إذا قالَ إنّ مناضلينَ عرباً أفذاذاً، يشتهون شيئاً في بلادِهم ممّا عَبَرَ إليه المغربُ بشجاعةٍ تستحقّ التثنية والتهنئة معاً.
من تفاصيلِ الاستثناء المغربيِّ عربياً، أنّ للأحزابِ هناك حقّاً في أنصبةٍ ماليةٍ من الدولة، بموجب قانونٍ خاص يُحدّدُ أيضاً مساهمةَ الحكومة في تمويلِ الحملاتِ الانتخابية للأحزاب، ويخصص لها مساحاتٍ إعلانيّة في التلفزةِ والإذاعةِ في المواسمِ الانتخابيّة.
أمّا في بلادٍ عربية أخرى، فتغالبُ أحزابٌ ليست قليلةً، عدمَ قدرتِها على تسديدِ أجورِ مقرّاتِها، وإذا حدثَ أنَّ قيادياً معارضاً في إحداها حظيَ بدقائقَ في التلفزيون، فإنّ تطبيلاً واسعاً للشفافيةِ الحكوميّةِ العظيمةِ ستتصدّع رؤوسُ الناسِ به طويلاً.
ننتبهُ إلى هذا الأمر، وكذلك إلى تحويلِ معتقلاتٍ سريّةٍ سابقةٍ في المغرب إلى أمكنةٍ للثقافة، وكلّنا تطلعٌ إلى نجاحِ هذه التجربة الفريدةِ، لنتابعَ تفاصيلَها اللاحقةَ باهتمامٍ تستحقّه.