نحتاج أحيانًا إلى حبوب خاصة لهضم بعض الأشخاص، الذين لا نستطيع بقدرتنا الطبيعية هضمهم. أحاول أن أجد تصنيفا خاصا بهم، أو رابطا يربطهم، فأنجح مرات وأخفق مرات أخرى.
في بعض الأحيان يمكن العثور على جامع مشترك بين عدد منهم، كأن يشتركوا في صفة من الصفات المنفرة بطبيعتها، كالغباء، أو الثرثرة، أو الفضول، أو غيرها من الصفات التي يكاد يجمع معظم الناس على عدم تقبلها.
أو حين يشتركون في صفات أخرى، من مثل: حب الطعام، أو إدمان الزيارات الاجتماعية، أو الكلام بصوت مرتفع، أو ما شابه ذلك من صفات يختلف الناس في تقبلها أو عدمه.
لكن هناك حالات لا يمكن أن يُرجع فيها أحدُنا السببَ في عدم تقبله لأشخاص معينين إلى صفة محددة فيهم، فهم قد يكونون في غاية اللطف والدماثة، ولا هم بأغبياء ولا مفرطي الذكاء بحيث ينظرون إلينا بطرف أعينهم رغما عنهم، ولا ثرثارين ولا قليلي كلام لدرجة «ترفع ضغطنا»، ولا يتدخلون في شؤوننا ما دمنا لم نطلب منهم ذلك صراحة أو ضمنًا.
ليسوا من محبي الطعام إلى درجة النهم أو حتى ما قبلها بقليل، وهي الدرجة التي قد تدفع بعضنا ـ وأنا أولهم ـ إلى النفور من الأشخاص الذين يتصفون بها، ولا يدمنون الزيارات الاجتماعية المملة ولا يفرضونها على من حولهم بسيوف الحياء والإحراج وما شابهها.
ليسوا عصبيين ولا شديدي هدوء الأعصاب لدرجة تثير عصبية الحليم، وليسوا.. وليسوا.. وتستمر سلسلة «ليسوا» إلى ما لا نهاية معهم، ومع ذلك.. لا نستطيع تقبلهم، ولا يمكن لنا هضمهم بسهولة مهما فعلوا.
لا يتعلق الأمر بالمزاج، أو بالحالة النفسية، أو بأي تقلبات عابرة، فهم دائما يحتلون الخانة نفسها، خانة غير المرغوب فيه، وجودهم دائما ثقيل، وكلامهم مزعج، حتى إن كان موزونا وبصوت خفيض ومنطقيا ومقنعا، هم دائما خارج نطاق تغطيتنا النفسية، ولا ينفعهم أن يشعلوا أصابعهم شمعا لنا كي يغيروا ما بأنفسنا تجاههم، إن كانوا مهتمين بتغييره أساسا!
عدم تقبل الشخصيات أسهل بكثير من عدم تقبل الأشخاص، لأننا نستطيع أن نصنف الناس بحسب شخصياتهم، وأن نضعهم في قوائم خاصة بنا، تبدأ من المرغوب بشدة، وتنتهي بالمنبوذ، وبينهما مراحل وقوائم كثيرة.
لكن المشكلة حين نصادف شخصا لا يمكن تصنيفه ضمن أي قائمة من القوائم الأخيرة، الخاصة بالشخصيات غير المرغوب فيها بالنسبة لنا، باختلاف درجاتهم. ربما لا يمكن بالفعل أن نصنفه ضمن أي من هذه القوائم، ومع ذلك فهو منتم إليها بشدة، لأنه غير مرغوب فيه دون سبب أو تصنيف.
إذا كانت مثل هذه الحالات التي تصيبنا تجاه أشخاص ربما نراهم لأول مرة، تأتي عقب موقف ما، أو بسبب تصرف بدر من هؤلاء، أو كلمة أفلتت من أحدهم بقصد أو دون قصد، قد يكون لنفورنا النفسي منهم سبب مقبول أو غير مقبول، على حسب حجم الموقف أو التصرف أو الكلمة.
لكن حين لا يكون أي من هذه الأسباب موجودا، هل يمكننا أن نرجع هذا النفور إلى الكيمياء النفسية؟ كيمياء الأرواح، أو الجنود المجندة بحسب تعبير الرسول الكريم، صلوات الله وسلامه عليه؟
لعل هذا من أكثر ما يخيف في كثير من العلاقات الاجتماعية التي تفرض نفسها علينا، خصوصا في مجتمعاتنا الشرقية، حين يجد الشخص نفسه مضطرًا اضطرارًا تامًا لأن يجالس أشخاصا يرتبط بهم ارتباطًا قد يكون قويا وقد يكون ضعيفا، لكنه في كل الأحوال مطالب بأن يستقبلهم أفضل استقبال، بوجه بشوش طلق، ويتحدث معهم بمودة واحترام حتى إن لم يكن يشعر تجاههم بأي منهما، لأن البعد الاجتماعي أقوى من البعد الشخصي.
هو مضطر لأن يقضي معهم ساعات، حتى إن كانت على حساب أعصابه، وأعماله، ومخططاته، وهو يدرك جيدا أنهم لا يعوضونه على الصعيد النفسي عن أي من خساراته المادية أو المعنوية بجلوسه معهم، ومجاملته لهم.
كنت أتساءل في السابق عن طبيعة حياة أي اثنين يرتبطان بعلاقة زواج في مجتمعاتنا التي لا تزال محافظة في كثير من جوانبها، دون أن يعرفا بعضهما.. كيف يمكن لهما أن يضمنا أن يتقبل كل منهما الآخر، وأن تتوافق كيمياؤه النفسية مع كيمياء الطرف الآخر توافقا يقتضي استمرار العلاقة الزوجية إلى الأبد؟
ليس هذا بالأمر السهل، ولا يمكن لكثير من الناس أن يتجاوزوه وكأنه مطلب بسيط وعابر، لكن عددا كبيرا منهم مضطرون لذلك من أجل الواجهات الاجتماعية التي تحتم عليهم لعب هذا الدور، على مسرح الحياة، دون أن يدركوا أن الثمن الذي يدفعونه هو عمرهم الذي لن يعيشوه مرة أخرى أبدا.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com