في باكستان تواصل مياه الفيضانات تقدمها، مخلفة وراءها دعوات غاضبة للثورة السياسية. الباكستانيون غاضبون بشدة من قادتهم السياسيين، وألطاف حسين يمثل صوتهم الغاضب. باكستان، كما أعلن حسين قبل أيام، تتجه نحو «تغيير في البلاد على غرار الثورة الفرنسية».
حسين يقود حزبا سياسيا باسم «حركة قوامي المتحدة»، ويعتبر ثالث أكبر الأحزاب الباكستانية، وتصريحاته أثارت عاصفة سياسية لم تهدأ حدّتها. الاستجابة الضعيفة للحكومة إزاء الفيضانات الكارثية، خلفت 17 مليونا من الناجين المحبطين، والباقون يشعرون بالغضب والاستياء، الأمر الذي أثار الجدل إزاء دعوة حسين لحمل السلاح.
في الشهر الماضي، قام الرئيس الباكستاني آصف زرداري بزيارة مفاجئة إلى أوروبا، في الوقت الذي وصلت فيه الفيضانات إلى مستوى الأزمة، ولا تزال تثقل أذهان الناس. والأدهى من ذلك أن الصحف الباكستانية تنشر الآن تقارير تكشف عن السبب الحقيقي لرفض زرداري تأجيل أو إلغاء الرحلة، فتقول إنه أراد أن يتقدم في مزاد، لشراء سقيفة فاخرة تتألف من ست غرف نوم في «هايد بارك» في لندن، وقالت الصحف إنه اشتراها مقابل 216 مليون دولار.
لا يمكنني أن أتحقق من دقة هذه التقارير، ولكن من المثير أن زرداري لم ينكرها. والآن، فإن معارضيه السياسيين يهاجمونه على كل تلك الأموال التي ينفقها على نفسه، في حين يتعرض الألوف من مواطنيه للغرق (تخيل لو أن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، بعد هجمات 11 سبتمبر، قام برحلة لبضعة أيام من أجل شراء مزرعته في تكساس!).
سعيد إلاهي، وهو عضو في البرلمان عن رابطة مسلمي باكستان، وصف شراء السقيفة بأنه «تصرف مُدان»، وأضاف أن تلك الأموال كان يمكن أن تستخدم «لتوفير المأوى لمليون شخص على الأقل» من ضحايا الفيضانات.
يمكن القول إن «زرداري» يصمّ أذنيه عما يتعلق بالأمور السياسية، ولكن في الحقيقة، المشكلة أعمق من ذلك بكثير. فهو ينتمي لطبقة اجتماعية، بالكاد يعترف أعضاؤها الأثرياء بوجود باقي الشعب الباكستاني، وهم 170 مليون باكستاني من الفقراء ذوي الملابس الرثة. ولنمعن النظر في كيفية تعامل الرئيس الباكستاني مع أزمة الفيضانات الجديدة، بعد عودته من مقر إقامته في أوروبا، والتي قضى خلالها وقتا لزيارة قصر نورماندي، الذي يعود إلى القرن السادس عشر.
حتى الآن، وبينما يدرك أن وظيفته معرضة للخطر، لم يفكر زرداري قط في زيارة المناطق التي اجتاحتها الفيضانات، حتى يطلع بنفسه على أحوال شعبه، في حين أن السيناتور «جون كيري» ومن بعده الأمين العام للأمم المتحدة «بان كي مون»، تفقدا شخصيا الدمار الذي حلّ في المناطق المنكوبة. واضطر «زرداري» لمرافقتهم عندما لم يعد لديه أي خيار، والتحليق فوق المناطق التي اجتاحتها الفيضانات في طائرة هليكوبتر.
بالتأكيد، لا يعتبر حسين زعيم «حركة قوامي المتحدة» ملاكاً، فتهم الوحشية والفساد تلاحقه، وعاش في لندن ما يزيد على 20 عاما، خوفا من الاغتيال في حال عاد إلى باكستان، كما هو الحال بالنسبة لإخوته وأقاربه. ولكن لديه أتباعا أقوياء في كراتشي، التي يقطنها نحو 5. 18 مليون نسمة. فقد أصابت دعوته لتغيير النظام وترا حساسا، خاصة بعدما أطلق القادة السياسيون الآخرون أفكارا مخيبة للآمال، في ما يتعلق بمساعدة ضحايا الفيضانات.
وحض نواز شريف، والذي ربما يعتبر أكثر الساسة شعبية في باكستان، ببساطة الحكومة على تسليم المعونة المالية للشعب. وردا على ذلك، قال وزير العمل الباكستاني، إن الحلّ يكمن في التحويلات المالية، وعلى الباكستانيين العاملين في الخارج إرسال المزيد من المال إلى ديارهم.
في أواخر أغسطس الماضي، دعا حسين «الجنرالات الوطنيين» إلى «اتخاذ إجراءات أشبه بالأحكام العرفية»، ضد السياسيين الفاسدين وكبار ملاك الأراضي. في البداية، كان المعلقون السياسيون يرفضون هذه الفكرة، قائلين إنه يدعو إلى الأحكام العرفية. وكأي سياسي آخر، قال حسين إنه أُسيء فهمه، وحاول إعادة صياغة ملاحظاته. وهذا هو الخط السياسي نفسه الذي تنتمي له الثورة الفرنسية.
في الواقع، وبعد مرور أكثر من نصف الوقت على إنشاء النظام العسكري في باكستان، في عام 1947، سيطر هذا النظام على أرجاء البلاد، لذا لم تكن تصريحات حسين صادمة. وكتب خالد أحمد، أحد كبار الصحافيين الباكستانيين في صحيفة «تايمز فريداي» الباكستانية، يقول: «من الواضح الآن أن معظم هؤلاء الذين رحبوا بتغيير النظام، من خلال «جنرالات شرفاء»، لا يركزون فقط على إجراء انتخابات جديدة، ولكن على تولي أشخاص وطنيين يختارهم الجيش».
وكان سيد كمال، العمدة السابق لكراتشي وأحد الموالين لسحركة قوامي المتحدة»، قال لي في رسالة بالبريد الإلكتروني: «الثورة ضرورية إذا أردت إعادة باكستان من حركة اتحاد المحاكم الإسلامية، والجيش الباكستاني هو المؤسسة التي يمكن أن يؤدي دعمها إلى إلغاء هذه الديمقراطية الزائفة».
في الوقت الحاضر، يبدو أنه من غير المحتمل حدوث انقلاب عسكري أو ثورة شعبية. ولكن، الآن كشف الفيضان للباكستانيين حقيقة رئيسهم، وأن الوضع الراهن قد تغير إلى الأبد.