القيمة القصوى لاستفتاء السودان المرتقب تتجسد في إضفاء سلام بين الشطرين في حالتي الوحدة أو الانفصال. قبل السفر إلى نيويورك أكد قادة النظام في الخرطوم أن اللقاءات الدولية هناك تشكل فرصة الوحدة الأخيرة.
حصيلة الاجتماعات تكشف بجلاء أن موفدي الخرطوم لم يعدوا للقاءات الفرصة الأخيرة عدتها. الجهد الدبلوماسي للموفدين اتسم بالبؤس. أفضل ما انطوى عليه ذلك الجهد لم يتجاوز التعهد بالاستفتاء في موعده. تلك فضيلة لكنها غير شافية.
سلفاكير تأبط إلى أميركا خطابات منافية. جهد الرجل تجاوز الحرص على إجراء الاستفتاء في موعده إلى إعلان النتيجة. كير عرض أجندة بناء دولة الجنوب. أكثر من ذلك طلب في لقاءاته مع المسؤولين الأميركيين والآخرين إعانة شعبه على تجاوز مطبات الانشقاق عن الشمال إلى ضمان التعايش معه في سلام.
مع الالتزام باستفتاء شفاف ربما كان مطلوباً من موفدي الخرطوم تكثيف حملة دبلوماسية بغية تحريك موعد الاستفتاء. دون المساس بالتعهد فمن شأن تحريك موعد الاستفتاء إفساح فرص أوفر لضمان شفافيته. الأهم من الشفافية توفير مناخ أفضل للسلام مع ترجيح خيار الوحدة أو الانفصال.
ذهاب الجنوبيين إلى صناديق الاستفتاء في الظرف السياسي الماثل يعني هرولة السودانيين بعد ذلك إلى مستودعات السلاح. أكثر من عقبة كأداء لاتزال شاخصة قبل الوفاء باستفتاء شفاف يفضي إلى سلام دائم.
ترسيم حدود الشطرين وإنجاز استفتاء أبيي عقبتان تكفي إحداهما للارتداد بالسودان إلى مستنقع الحرب. الجنوبيون والشماليون يدفعون كلفة باهظة في حالة فتح مراكز الاقتراع قبل طي الملفين الأكثر حرارة بين ملفات عدة لاتزال عالقة على طاولة التفاوض.
من غير المجدي الالتزام دولياً ثم النكوص داخلياً عن الوفاء بالالتزام. كل نزاع إقليمي يبلغ أروقة المنظمة الدولية يصبح عرضة بالضرورة للعبة الأمم. تلك لعبة سياسية تبدأ وتنتهي بمصالح الدول اللاعبة على المسرح.
الجهد الدبلوماسي البائس من قبل الخرطوم زامنه خطاب سياسي محموم بئيس. بعض الساسة عاد إلى ممارسة دق طبول الحرب. الخرطوم وليست الحدود هي جبهتها الأولى حتماً. احتكار السلطة والثروة حد التباهي باحتكار الخدمات الأساسية ليس شعيرة أخلاقية، كما أنها ليست فضيلة وطنية. عندما يمس الأمر حق الناس في التعافي فإن هذا التباهي يصبح جريمة يعاقب عليها القانون وتنبذها الأعراف. إذا كان الدين المعاملة ففي أي نهج حضاري يتحدث هؤلاء؟
علاقة الدين بالدولة لا تؤمن فقط الاستيلاء على السلطة والثروة. تلك علاقة وثيقة بالعدل والسلام والعلم والأخلاق. أي نظرة شاخصة في الواقع السوداني الراهن تنتهي إلى نقيض ذلك تماماً.
بعدما طوت الدولة مظلة الخدمات برزت «قلة يفسدها الثراء وكثرة يفسدها الفقر» حسب تعبير الإمام الصادق المهدي. مع تكدس البطالة على رصيف الفاقة تتكاثر زرافات من لا مأوى لهم وتتناسل أعداد اللقطاء والصبية المشردين في شبكات الصرف الموسمي والدائم.
تصاعد مد الأزمة الاقتصادية أفرز موجة من الأخلاقيات المستحدثة على المجتمع السوداني، إذ أصبح السطو على المال العام شرفاً أو هو مباح يغض الطرف عنه. الأزمة أفرزت بتعقيداتها عنفاً دخيلاً على المجتمع السوداني كذلك. صحف الصباح تحدثنا عن رجل قتل ابنه، وولد قتل أباه، ووالدة قتلت ابنتها، وزوجة قتلت زوجها، وشاب قتل خطيبته، وطالب قتل زميله وآخر زميلته ـ هكذا يعدد الإمام.
بعد كل هذا وبعد ان يفقد الوطن ثلثه إلا قليلاً أو يزيد عليه قليلاً. في الجزء المفقود أكثر من ثلثي دخله القومي. فما الذي حقق ذلك المشروع الحضاري؟ ثمة ثلث آخر عرضة للخسارة. المؤشرات الاقتصادية تجعل الجنوب حال الانفصال دولة قادرة على توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها ولو بعد حين. ربما يمارس الشماليون وقتئذ الهجرة جنوباً بحثاً عن تلك الخدمات وغيرها ويحصلون عليها دونما امتنان.