لم يألف الإسرائيليون سلوكاً غامضاً في تاريخهم السياسي والأمني، كالذي يسلكه اليوم رئيس حكومتهم بنيامين نتنياهو. فهو الرجل القوي الوحيد المتبقي من سياسيي الجيل المخضرم. وحسب العارفين بشخصيته الجامعة بين التقوية الأيديولوجية الحادة، والبراغماتية السياسية، فإنه يقف الآن في منطقة رمادية يبدو خلالها على الحد الأقصى من الاختيارات المصيرية. وثمة من هؤلاء من يتساءل عما إذا كان الابن العزيز للعائلة المحاربة، قد قرر حقاً قبول ولادة دولة فلسطين. وهم يقصدون في ذلك الإشارة إلى أطروحته العصماء في شأن الدولتين اليهودية والفلسطينية، كتسوية نهائية لمعضلة الصراع حول مستقبل دولة إسرائيل.

أما شيمون بيريز، وهو الوحيد الباقي من الأحياء الذين أسسوا اللاهوت السياسي الإسرائيلي، فإن الصورة بالنسبة إليه في ذروة الغموض. كان له أن يقول قبل انطلاق المفاوضات المباشرة في شرم الشيخ: «إذا خرج نتنياهو من غرفة التفاوض ومعه وثيقة سلام دائم، فإنني ألتزم أن أهتف له، بل أن اعتذر إليه لأنني شككت في تصريحاته السلمية».

لكأن بيريز لم يشأ أن يصدق أن ما أعلنه نتنياهو في خطبته الشهيرة في جامعة بار إيلان حول سلام مع الفلسطينيين، أصبح قاب قوسين أو أدنى من التحقق. كما لم يرد أن يصدق أن ما قاله في قمة واشنطن، هو ما ينوي فعله في قمة شرم الشيخ. كما لو أن الرئيس الإسرائيلي العجوز على يقين من أن نتنياهو المستغرق في خيلاء اللحظات الصعبة، لن يدفع للسلام سوى ضريبة الكلام. ذاك أنه يمضي نحو مخاطرة لا يبدو فيها «المجتمع الإسرائيلي» مستعداً لإعصار سياسي، لم يعرف مثله منذ ما يسميه الإسرائيليون ب(حرب يوم الغفران» قبل سبعة وثلاثين عاماً.

السؤال الذي يتداوله المشكّكون بقدرة نتنياهو على تحقيق إنجاز بيّن على الجبهة الفلسطينية، هو ما ينحصر تحديداً في الجواب عن ماهية خريطة التقسيم الجديد، التي ستسفر عن ظهور دولة فلسطين من الخفاء إلى العلانية. التعليل المنطقي الذي يحكم سؤالاً من هذا النوع، يقوم على استحالة إقرار ترتيبات أمنية في فلسطين دون تحديد منطقة حكمها، إذ كيف يستطيع الفلسطينيون ـ بحسب السؤال الإسرائيلي المشكك ـ الاعتراف بدولة إسرائيل على أنها دولة الشعب اليهودي، دون تحديد واضح للخط الجغرافي الذي تنتهي عنده هذه الدولة لتبدأ دولة الشعب الفلسطيني؟..

ذلك قسطُ يسيرُ من علامات الاستفهام المريبة التي تطوق مفاوضات شرم الشيخ، تحت رعاية الرئيس الأميركي باراك أوباما. وغالب الظن أن أوباما نفسه يدرك هذه العلامات، بل ما هو أعمق منها وأخطر، لكنه عازم على الذهاب في المغامرة إلى أبعد حد مستطاع.

مع هذا، فإن حدوداً لا يمكن تجاهلها، يتوقف عندها مجمل الرهانات على رحلة التفاوض الإسرائيلي ـ الفلسطيني المستأنف. إنها الحدود التي تفترضها التعقيدات الجيو ـ ستراتيجية، والتي من شأنها أن تحدث تأثيرات حاسمة على اتجاهات ونتائج أي حوار في العمق بين السلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو، وهو الأمر الذي يدركه المراقبون لمسار هذا الحوار. وكما ظهر بوضوح، فإنه منذ اللحظات الأولى لبدء التفاوض الإسرائيلي الفلسطيني، راحت التحليلات والمراقبات تنبسط على أرض التشاؤم الحذر بشأن إمكان حصول أي تحول نوعي على جبهة التسوية.

ولئن مضى كثير من المحللين الغربيين إلى أنه لا مناص لأوباما من منجز يريح إدارته من طوق الأزمات الموروثة والمستأنفة، فقد وجدوا أن تلك الأزمات نفسها هي ما يعيق إخراج الدراما الفلسطينية ـ الإسرائيلية من أسوارها المغلقة. ذلك يعني أن حلاً ناجزاً لهذه الدراما المفتوحة، لن يكون ميسوراً ما لم تأخذ الإدارة الأميركية بمفاتيح الحلول لمجمل الأزمات على مدى الشرق الأوسط كله. وهذا ما لا يتصوره السواد الأعظم من المراقبين خلال الفترة القريبة المنظورة، أو المتوسطة على أقل تقدير.

ما المتأمّل إذاً، من مفاوضات هي على هذا القدر من التعقيد والاستحالة؟

صحيح أن الإسرائيليين على الجملة باتوا يشككون في قدرة نتنياهو على إحداث تسونامي سياسي، يضع الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي ضمن معادلة الحل الناجز والنهائي، إلا أنهم يجدون لديه الرغبة في إنجاز شوط ملحوظ على هذا الطريق. وذلك يعود ـ على ما تبيّنه وقائع السجال السياسي ـ إلى مسعاه لإعادة تشكيل الحياة السياسية الإسرائيلية على أرض الإجماع، وهو ما يفترض إظهار قدرته على الفوز في امتحان التفاوض مع الفلسطينين، ولو من خلال جعل هذا التفاوض أشبه بمؤتمر دائم للسلام.

تبعاً لهذا التصور، يرى عدد من المحللين الإسرائيليين إلى ستة خيارات مفترضة، على نتنياهو أن يواجهها بكثير من المشقة، وهي في الجملة متأتية من حالة الجنون الاستيطاني الذي بلغ حدوده القصوى مع بدء المفاوضات:

أولاً ـ الأخذ بقرار تجميد حركة بناء المستوطنات واستمراره بما يرضي الفلسطينين ولا يحرج الأميركيين، ولو أدى ذلك إلى إغضاب اليمين المتطرف.

ثانياً ـ إجراء تجميد جزئي في الكتل الاستيطانية على امتداد ما يسمى «الخط الأخضر».

ثالثاً ـ إنهاء التجميد في مدينة القدس ومحيطها.

رابعاً ـ التجميد الهادئ الذي لا يستأنف عمليات البناء الاستيطاني فعلياً.

خامساً ـ بناء هادئ للمستوطنات وبوتيرة معتدلة، في محاولة لمصادرة ردات الأفعال الفلسطينية والدولية.

سادساً ـ تعليق التجميد، الذي يحرج الأميركيين ويغصب الفلسطينين، بينما يحقق رضى المستوطنين وأحزابهم.

هذه الخيارات الستة يفترض أن يأخذ نتنياهو واحدا منها أو بما يتشابه منها في الآليات والغايات، لا سيما إن كان لا مناص له من ذلك، وإذا ما بدأت تضيق لديه مساحة المناورة.لكن، أياً تكن الخيارات التي سيأخذ بها، فهي لن تكون على الأكيد مدخلاً فعلياً لطي ملف هو من أعقد الملفات وأشدها استعصاء على الحل، حيث تتوقف عليه مفاصل أزمات المنطقة كلها.

كثيرون قالوا، ومن قبل أن تبدأ وقائعها في شرم الشيخ، إنها مفاوضات الزمن الضائع. ولم يكن هؤلاء مأخوذين بغواية التشاؤم المفرط حين خلغوا عليها مثل هذا الوصف. فعلى ما تبدو عليه نذر الحصاد، ليس من المتخيل أن يعلو الدخان الأبيض من غرف التفاوض المعتمة.