تختلف الآراء وتتعدد الرؤى في أي مجتمع، حول النظريات المتعلقة بالتنمية الشاملة، وأي من النظريات الفكرية أو التجارب الدولية التي يتم تبنيها ما بين الشرق والغرب، إلا أن مساحة هذا الاختلاف تتقلص إلى حد بعيد، وتكاد تنعدم عند الحديث عن أهمية العنصر البشري في عملية التطوير باعتباره قطب الرحى، فهو محرك التنمية والغاية منها، والاستثمار في بناء الإنسان يعلو في أهميته كافة أشكال الاستثمار.

ولا يختلف أحد على أن أهمية التعليم مسألة لم تعد محل جدل، حيث إنه الملهم للأمم ونقطة الانطلاق لأي مشروع حضاري، وهو الطريق الأوحد للحصول على الإنسان الذي يحافظ على كافة أشكال التنمية، بل ويدفعها إلى الأمام.

وهذا لن يتأتى دون منظومة قيمية تنتج نمطا من السلوك المحاط بسياج أخلاقي، يقي أبناءنا شرور الانزلاق إلى صور غريبة عنا من الانحراف والعنف، في ظل عالم يشهد تعدد ثقافات ظاهرها مبهر وباطنها لا يخلو من خواء واضطراب.

لذا فمن الخطورة أن يتم التعامل مع التعليم بمنطق الجدوى الاقتصادية وآليات السوق، أو الاقتصار عند وضع معايير التصنيف على البنية التحتية، وتهميش الدور التربوي للمدرسة، وهو الشق الأسبق لكفاءة المنظومة التعليمية، والذي يجعل البعد الإنساني والأهداف الاجتماعية والثقافية أساسية، مقارنة ببقية الأهداف التي يغلب عليها البعد الاقتصادي الناتج عن العولمة التي جعلت المعايير الاقتصادية هي المحرك لكافة الأنشطة الإنسانية بما فيها التعليم.

ومن اللافت أن المفكرين والخبراء والمؤسسات الدولية، يضعون القدرات التعليمية ونسب التعليم ومستوياته، أحد أهم محددات الحكم على الدول. ولأنه لا إصلاح للتعليم دون المعلم باعتباره حجر الزاوية في العملية التعليمية، فإن إعادة الروح لتكاملية دور المعلم من أهم خطوات إصلاح العملية التعليمية، لأن الدور الموكل إليه ليس التدريس فقط، فهو موجه ومرشد ومثل أعلى.

وما زالت تعلق في أذهاننا كلمات سمعناها من معلمينا، كانت علامات بارزة في رحلتنا مع الحياة، وتشخص أمامنا سلوكيات نبيلة قاموا بها وحفرت في ذاكرتنا نصائح وإرشادات اختصونا بها، وعلاقة من الود كانت تشعر كلا منا بأنه المحظي بحب أستاذه دون سواه، وكلمة ثناء على إنجاز أو ابتسامة كانت تسعدنا أياما وليالي.

وأتذكر هنا يوم سال الدمع من عيني أحد أساتذتي وهو يقرأ آية من سور القرآن، وكيف كان وهو يفسر الآية ينقل لنا القيمة والشعور، للدرجة التي جعلتني أعاود قراءتها مرات عديدة لأستكشف هذا الشعور الذي ألم بمعلمي الذي لم تغب عن ذاكرتي أخلاقه ونبل سلوكه، في الوقت الذي ربما نسيت الكثير مما درسه لنا من محتوى تعليمي.

وبفعل عوامل عديدة، منها تدني الرواتب في الوقت الذي تلهب فيه ضغوط الحياة بسياطها ظهورهم، تراجع هذا الدور التربوي للمعلم، الذي جعل أكبر همه البحث عن مصادر بديلة لزيادة دخله.

وكذلك اعتبارات السوق التي تجعل بعض مديري المدارس الخاصة يضحون بالمعلم عند أول شكوى يقدمها ولي أمر التلميذ ـ مصدر التمويل ـ سواء بالحق أو بالباطل، مما أدى إلى خلل في طبيعة العلاقة بين المعلم وتلامذته.

يجب ألا ننسى، ونحن في بداية عام دراسي يتجدد فيه الكثير من ملامحه التعليمية وتتجدد معه آمالنا المتعلقة بمستقبل أولادنا وأوطاننا، أن عطاء المعلم لا بد أن يقابله وفاء من المجتمع بصفة عامة، ومن جهة عمله على وجه الخصوص، والذي ينبع من تقدير الدور الذي يقوم به، مع أهمية البيئة المدرسية وتفعيل وظيفتها الاجتماعية والأخلاقية، باعتبارها رافدا أساسيا لمد المجتمع بمن سيتحملون مسؤولية أوطانهم في المستقبل وتأسيس معالم طريق تقدمها والتعامل مع عصر يموج بالتغيرات.

ولا شك أن الحكمة القائلة «أنتم تربون أولادكم لزمان غير زمانكم»، كفيلة بأن تجعل المؤسسة التعليمية برمتها تعيد حساباتها مرات عديدة عند كل مرحلة، لتصبح المدرسة بحق نظاما اجتماعيا متكاملا، قادرا على غرس القيم الطيبة لتلاميذها وتكوين الشخصية السوية.

ويتأتى ذلك من خلال استلهام ثقافة المجتمع وإنجازاته التاريخية وقيمه الاجتماعية، باعتبارها ينابيع تربوية لا تنضب، تساعد على ترسيخ الاعتداد بتاريخنا حتى وإن طورنا سماتنا الثقافية دون إغفال النظر إلى المستقبل.

يجب ألا ننسى أن الطريق إلى التقدم الاقتصادي في القرن الحالي، لم يعد يعتمد على كم المخزون من الثروات، بقدر اعتماده على العقل الإنساني القادر على الاستخدام الأمثل للثروات المادية وتعظيم الاستفادة منها، في ظل مفهوم اقتصاد المعرفة.

وهذا ما أكده المؤرخ «أرنولد توينبي» حين قال «إن تاريخ المجتمعات البشرية هو تاريخ الصراع بين التعليم والكارثة»، والذي جعل شيمون بيريز يؤكد في أحد البرامج التليفزيونية، أن دولة الاحتلال الإسرائيلي سوف تحسم الصراع لصالحها عن طريق تطوير التعليم، وعن طريق الثروة البشرية النوعية التي تملكها.

يجب ألا ننسى أن تحقيق الأهداف الكبيرة لن يتم إلا بطموح يتجاوز كل الصعاب والإشكاليات، وبقراءة متأنية للواقع المحيط، ونظرة استشرافية للمستقبل المنظور، علما بأن مردود العملية التعليمية يحتاج إلى فترة زمنية حتى تؤتي ثمارها.

الأمر الذي يتطلب أحيانا الحذر في التعميم الشامل دون دراسة حالات تجريبية على نطاقات صغيرة يمكن الحكم عليها، مع الاهتمام بأدق التفاصيل والاستراتيجيات الطموحة التي وضعتها وزارة التربية والتعليم للعقد القادم.

ولتحقيق ذلك، من المهم أن تسند مهنة التعليم إلى من تشرّب بثقافة المجتمع، حتى يكون قادرا على غرس هذه الثقافة في الأجيال التي يرعاها، وتعزيز الهوية الوطنية والانتماء للوطن، وأن يكون هو نفسه مثالا حيا أمام تلامذته، بفعله قبل قوله، فسلوك المعلم في ألف تلميذ، خير من كلام ألف معلم في تلميذ.

عميد كلية المعلومات والإعلام ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com