احتفل الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في الرابع عشر من سبتمبر، بعيد ميلاده الخامس والأربعين، وحتى وقت قريب كان هو أصغر زعماء مجموعة الدول الثماني الكبرى، ولكن أزاحه عن هذه المكانة رئيس الوزراء البريطاني الجديد ديفيد كاميرون، الذي سيبلغ الرابعة والأربعين بعد أيام قليلة.

ولكن يظل ميدفيديف الأصغر في نظر جميع الذين اعتادوا، على مدى قرن مضى، على الكهول يحكمون في الكريملين. وكان الرئيس السابق ورئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين عند توليه الرئاسة في روسيا عام 2000، هو الأصغر بين من حكموا في الكريملين، حيث كان عمره نحو 48 عاما.

ويذكر أنه عند تولي بوتين الرئاسة قال عنه الزعيم السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف، ساخرا منه «إن روسيا سيحكمها الأطفال». لكن غورباتشوف عدل عن رأيه تماما بعد ذلك، وقاد حملة عام 2007 تطالب بوتين بالبقاء في الرئاسة لدورة أخرى.

وربما يتكرر الأمر مع الرئيس ميدفيديف الذي جاء للحكم باختيار وتزكية من الرئيس السابق بوتين، ولم يكن الكثيرون يتوقعون أن يكون هذا الفتي الشاب هو من سيختاره بوتين لخلافته، واعتقدت الغالبية من الناس داخل روسيا وخارجها أن بوتين اختار ميدفيديف للرئاسة حتى يكون أداة في يده، يحركه كيفما يشاء لمدة دورة حكم واحدة يعود بعدها بوتين للرئاسة مرة ثانية.

وذلك تفاديا لتعديل الدستور الذي لا يسمح للرئيس بأكثر من دورتين، وما زال الكثيرون داخل روسيا وخارجها يعتقدون هذا الاعتقاد.

ولكن المراقبين لمجريات الأمور على الساحة السياسية داخل روسيا وخارجها، يلمسون بوضوح مدى بروز نجم الرئيس ميدفيديف ونمو قدراته الشخصية وزيادة شعبيته داخل روسيا وخارجها، ومدى تحكمه في إدارة معظم شؤون الدولة، وتدخله في كافة الأمور.

كما يلاحظون الكثير من التباين في الآراء والتوجهات بينه وبين رئيس الوزراء بوتين، وإن كان هذا التباين لم يؤد لأية خلافات بينهما، ولا يتوقع أحد حتى احتمال حدوث هذا الأمر، حيث إنه كما يقول المحللون والعالمون ببواطن الأمور في الكريملين، فإن بوتين عندما اختار ميدفيديف لخلافته دون غيره من المرشحين الكبار الآخرين.

إنما اختاره بالتحديد لأنه يعرفه جيدا منذ سنوات طويلة مضت، عندما كانا يعملان معا في سانبطرسبرغ، وأن بوتين اختار ميدفيديف بالتحديد لأنه يختلف عنه كثيرا في المنهج والأسلوب، لكنه يتفق معه تماما في الأهداف.

ومن المعروف أن بوتين، رغم صغر سنه، إلا أنه ينتمي للحقبة السوفييتية، ومتأثر بشكل واضح وبحكم عمله لسنوات طويلة في جهاز الاستخبارات السوفييتي الشهير «كي جي بي» بالدولة السوفييتية العظمى، وقد انعكس هذا بشكل واضح في أسلوبه في إدارة أمور الحكم في الكريملين لمدة ثمانية أعوام، ما جعل البعض في الغرب يطلقون عليه اسم «ستالين الصغير».

ورغم أن بوتين نفسه لا ينكر انتماءه وإعجابه بالحقبة السوفييتية، إلا أنه كان يشعر في داخله بأن هذا الأمر يشكل عاملا سلبيا في تعامل روسيا مع بعض الدول والجهات الأجنبية التي لا تطيق أي شيء يذكرها بالحقبة السوفييتية، أو التي تسعى لتشويه سمعة روسيا الحديثة بأنها امتداد للاتحاد السوفييتي السابق.

واعتقد بوتين، وربما آخرون غيره، أن لهذا الأمر تأثيرا ما على عملية جذب الاستثمارات الأجنبية لروسيا، ولهذا كان اختيار بوتين للشاب الصغير ميدفيديف لخلافته في الرئاسة، باعتبار أنه الوحيد في القيادات الروسية الذي ليست له أية صلة سياسية بالحقبة السوفييتية، ويختلف تفكيره وتصرفاته وأعماله عما هو لدى الساسة المخضرمين، لأنه يعيش زمانا آخر، إنه يعيش المستقبل، ولا يخفي طموحه في تقريب هذا المستقبل وجعله حاضرا للجميع.

ويكمن جوهر عملية التحديث الجارية في روسيا في طموحات ميدفيديف هذه، وهو يدرك أن الذين خرجوا من الحقبة السوفييتية ـ شأنهم شأن الذين خرجوا من معطف ستالين العسكري ـ اعتادوا أن يخضعوا للشعارات والتوجيهات الصادرة عن الزعماء، والتي إن كانت جميلة و«في مصلحة الشعب»، فإنها غير صالحة للحياة، شأنها شأن شعارات صادرة عن الأنظمة الدكتاتورية في أسوأ نمط لها.

ولا تصلح في القرن الحادي والعشرين الذي يحتاج إلى إنسان متعلم يتصرف بعقله وبإمكانات عصره، ويفكر مع الآخرين، ولا يحتاج إلى زعماء وقادة يعتقدون أنهم أذكى من الجميع، بل يحتاج إلى دولة ذكية ومجتمع ذكي وسياسة ذكية.

كاتب روسي

maze nabb59@hotmail.com