حين تتصفح الأخبار والأحداث التي وقعت في عالمنا العربي، تجد أن مدننا العربية تعيش واقعاً مأزوماً وحزيناً. ففي حين تشهد مدن العالم ازدهاراً ونشاطاً وتقدماً، تقبع بعض مدننا تحت وطأة الفقر والتخلف والحرب والاستبداد، وكأن الأمل في استرجاع هيبة هذه المدن التاريخية أصبح مفقوداً هو الآخر، ويظل المواطن العربي البسيط يتساءل؛ حتى متى يفتقد لذة العيش ويفتقر إلى مفردة الأمان، ويعاني من ملوحة الحياة وشظفها دون أن يلقى جواباً!
وإذا استعرضنا خارطة الوطن العربي والإسلامي، سنجد الانتكاسات قد غيرت ملامح تلك المدن النابضة وقتلت روحها، وأفنت جسدها؛ فمن العراق إلى اليمن إلى السودان، مروراً بلبنان وفي الخاصرة نصل فلسطين المحتلة، وصولاً إلى قلب بعض المدن المتعففة التي ترزح أحياؤها في كومة من النفايات وسط مدن الصفيح والكرتون.
فمع وصولها لخط الفقر وما دونه، أفرزت نمط حياة يسمى عبثاً «حياة المدن العشوائية»، التي دخلت الألفية الجديدة وهي تعيش على الهامش في كل المناحي والمجالات. وقد لا يخلو بلد عربي من هذه الظاهرة العشوائية التي يظل سكانها مواطنون من الدرجة الثانية محكوم عليهم بالتخلف، فلا تعليم ولا عناية صحية، ولا يستطيعون أن يكونوا أصحاب مهن لأنهم لا يملكون الأدوات التي تؤهلهم لذلك.
ولعل بعض المختصين في دراسة هذه المدن يفندون أسباب وجودها، الذي يعزوه بعضهم إلى تسارع نمو المدن وانتقالها إلى النموذج الحضري والهجرات المتنامية مما أدى إلى ظهور هذه المدن الطفيلية.
لكن بعضها قد لا تنطبق عليه هذه الأسباب، لأنها مدن عريقة لها تاريخ طويل ومتجذر، ورغم ذلك تعاني من تجاهل خطير أدى إلى طمر تاريخها وتحولها المرير.
ويبقى التساؤل مشروعاً عن أسباب عدم احتضان هذه المدن وانتشالها والمحافظة على منجزها التاريخي؟
فرغم المؤتمرات السنوية والبحوث التي تقدم في الندوات والاجتماعات حول كيفية معالجة أوضاع هذه المدن، إلا أن المشكلة لا تزال تتعمق وتتسع في غياب التخطيط والسياسات الجدية.
وخاصة تلك التي تسمى تجاوزاً «مدينة» وهي لا تحمل صفة التمدن من الأساس! فعلى سبيل المثال يقدر عدد المناطق العشوائية في مصر بنحو 1034 منطقة، منها 903 مناطق مطلوب تطويرها، وهنالك 81 منطقة مطلوبة إزالتها، ويسكن في تلك الأحياء العشوائية نحو 6 .12 مليون نسمة، ويشكلون نحو 46% من إجمالي سكان المراكز.
وفي سوريا كشفت دراسة أجريت في مدينة حلب أن معظم سكان العشوائيات نازحون إليها من الريف، ويمثلون 47% من سكان العشوائيات، بالإضافة إلى 34% نزحوا من المدن المجاورة أو من وسط المدينة إلى أطرافها، حيث تشكل حزام فقر حول المدينة تنتشر وسطه الجرائم، وتتصف الأحياء العشوائية حول مدينة حلب بارتفاع حجم الأسرة الذي يبلغ نحو 2 .7 أفراد.
ويمكن القول إن العشوائيات ومدن الصفيح والمدن المسلوبة بفعل الحروب، قد وصلت لمرحلة خطيرة من الإهمال الحكومي، لذا من الطبيعي أن يشعر المواطن فيها بالدونية وبعدم الولاء والانتماء، وبالحنق على المجتمع، مما جعلها أوكاراً للعنف ومنبعاً للجريمة، وبيئة مناسبة للهاربين والخارجين على القانون.
وباستعراض سريع لبعض الدراسات التي تناولت أوضاع هذه المدن، لا نجد أي نموذج عربي سعى في علاج هذه الظاهرة وقضى عليها، ما عدا مشاريع توطين البدو الرحل في بعض الدول.
فإذا نظرنا إلى خطورة استمرار هذه المدن بكل ما تحمله من ثقافة ونمط في الحياة، سندرك أن المستقبل ينذر بتفلطح هذه العشوائيات وزحفها على ملامح المدينة بأكملها، في ظل واقع يعاني من إهمال في الخدمات العامة والبنية التحتية.
إن خراب المدن العربية التي تفوح منها رائحة المكبات ومياه الصرف الصحي، وتضيع معالمها الأثرية وعراقتها التاريخية هنا وهناك، تظل شاهدة على فساد الإدارات والإرادات.
ورغم أن تاريخنا الإسلامي قد اعتنى بالمدن ووضع لها تخطيطاً وهيكلية رائدة منذ هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة، إلا أن ورثة هذا التاريخ أساءوا إلى العهدة وضيعوا الأمانة.
لذا فالسائح العربي وهو يتجول في مدن أوروبا القديمة، يشعر بالخجل أمام اهتمام الغرب بالمحافظة على تفاصيل المكان والإبقاء عليه نابضاً بالحياة ومفعماً بالتجدد، في حين يجد مدنه ممزقة الأشلاء.
والطريف أن نحتفي كل عام باختيار مدينة كي ننسبها عاصمة للثقافة العربية أو الإسلامية، في حين أن الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة براء من ما آل إليه مصير هذه المدن اليوم!
ويستغرب الزائر لبعض هذه المدن من الفارق بين ما يقرأه عن تاريخ بعض الأماكن وعن واقعها المعدوم، ولا تزال دول عربية لا تعرف عن مدنها ما يعرفه عنها الآخر الغريب الذي يحمل كاميرته ليسجل الواقع بعدسة لا تعرف التجميل أو المداهنة.. فالشمس لا تخبأ بغربال.
كاتبة إماراتية