حضرت بالأمس المسرحية التي عرضها مسرح الشارقة الوطني، أمام لجنة المشاهدة التي ستختار العرض المشارك في مهرجان المسرح الخليجي الذي سيقام في دولة قطر، وما زال الخلاف قائماً على موعده بين نوفمبر وديسمبر، والموضوع برمته على طاولة اللجنة الخليجية الدائمة للمهرجان والمشكلة من أعضاء الدول الخليجية المشاركة..
وموضوع المسرحية بينه نسب مع مقالة الأمس التي علق عليها البعض، ومن ضمنهم بومحمد الذي كتب «الأخ مرعي زعلت قوم بابوه وربعه»، والقارئ بو أحمد الذي اقترح تركيب لوحة إلكترونية في أسواقنا لكي يتعرف المتبضعون على أسعار السوق أولًا بأول ومنع التلاعب بالأسعار.
وتعليق القارئ عبدالله يوسف من كندا، «الله يحفظه إن شا الله»، الذي طالب بإلقاء اللوم على الموردين والمتحكمين الأصليين في الأسعار، بدلًا من اتهامي بابوه وربعه الباعة بالتفرقة من الذين لا حول لهم ولا قوة..
بين عرض المسرحية وبين مسرحية التلاعب بالأسعار في أسواقنا، وجدت نقطة مقاربة دقيقة جداً.. فالمسرحية تتحدث عن قرية صيادين في الخيال، لا لها مكان ولا زمان، سوى إشارات بسيطة، يجتاحها جيش من القطط، فيأكل سمكها، ثم تبدأ القطط في مطاردة الأهالي الذين بدأوا في ابتداع وسائل صد ودفاع عن النفس، ومنها اللجوء إلى «النعل» لمحاربتها، ويستغل أحدهم هذه الفتوى فيجبر الناس على شراء أنواع النعل ومقايضتها بالأسماك التي تذهب إلى مخازنه، وبالتالي صار يحتكر كل شيء، لكن أهالي القرية الخيالية اكتشفوا أن النعل لا ترهب القطط.
ذكرتني المسرحية ببياعي «الليلام» الذين كانوا يطوفون الأحياء السكنية ويطرقون الأبواب على أمهاتنا، اللاتي يفترشن قارعة الطريق ليتفرجن على بضائع الليلام من الأقمشة، فهن لم تسيطر عليهن فلسفات التسوق الحديث، ولم يكن يعرفن أن التبضع الدائم من الأسواق هو من طقس «اللايف ستايل».
وقبل أن نتحول جميعا إلى مستهلكين بالدرجة الأولى، فأمهاتنا كن يقعدن في البيوت لإدارة شؤونه مئة بالمئة، وبالتالي كان «الليلام» بوبقشة هو البوتيك المتنقل بالنسبة لهن، يشترين منه قطع الأقشمة ويذهبن بها إلى عيوش وفطيم ومريمل، لإحالتها إلى «نفانيف» تصلح لحر «القيض».
الذي أبهرني في العرض المسرحي الذي كتبه الكاتب المسرحي إسماعيل عبدالله، هو أن القطط التي كانت تأكل أسماك القرية، تضع صرراً أو «بقش» على ظهورها، وكلما توالت أحداث المسرحية كلما كبرت البقشة على ظهور القطط.
كانت القطط بدأت تأكل كل شيء، بدءاً من الأسماك ومروراً بسعف النخيل وحطب «الجندل».. أما مشهد النهاية فقد كان غاية في التعبير عن هذا التصاعد الخيالي، إذ جمعت القطط حطب القرية وبيوتها في «بقشة» كبيرة ورفعتها عن الأرض.
بين ما تجتره الذاكرة من صور الحنين إلى ربوع الماضي وحال الماضي، وبين عزف المسرحية على موال القطط، وبين حال السوق ومن يتحكم فيه، تكمن مساحة للتأمل المؤلم. وفي كلمة، نقول إننا بحاجة إلى هذا وذاك، ولكن لن تقنع وزارة الاقتصاد باللوحة الإالكترونية يا بو أحمد، وصعب اليوم تزعل لالوه وبابوه.. يا بومحمد!
