أظهر الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطابه الذي ألقاه في كليفلاند أخيرا، والذي كان خطابا ممتازا باستثناء ذلك الجانب، أنه عندما يتعلق الأمر بمحنة الطبقة المتوسطة، فإنه لا يزال لا تفهم جلية الأمر. وقال: «ليس كل ما قمنا به على مدى العامين الماضيين مكللا بالنجاح بالسرعة التي كنا نأملها، وإنني أدرك تماما أن سياساتنا لم تكن جميعها شعبية».
ولكن المشكلة ليست أن سياساته الاقتصادية كانت بطيئة في النجاح أو لا تحظى بشعبية اليوم، بل أنها كانت غير مناسبة نظراً لضخامة الأزمة.
واعترف أوباما، خلال المقابلة مع مذيع شبكة «إيه بي سي نيوز» الأميركية «جورج ستيفانوبولوس»، بارتكاب «أخطاء» لم يحددها، ولكنه أكد: «إذا كنت تسأل عما إذا كنا قد اتخذنا القرارات التي تعد القرارات الصحيحة، من أجل تحريك الأمور في هذه البلاد إلى الأمام بعد ركود مدمر للغاية، فعندئذ سوف تكون الإجابة هي: بالتأكيد».
هل يمكنه أن يؤمن بذلك حقا في ظل وصول البطالة إلى 6, 9%، والعمالة غير المستغلة بشكل كامل إلى 7, 16%، وملايين المنازل التي خضعت لحبس الرهن وملايين أخرى على وشك الخضوع، وتعرض الطبقة الوسطى للهجوم؟
على أية حال، يبدو أن هذه هي قصة الإدارة الأميركية، وهم متمسكون بها، حتى لو ذهبت أميركا إلى الجحيم أو تعرضت إلى ركود مزدوج.
كانت تعليقات الرئيس الأميركي مواصلة للمسار الذي اتخذه «روبرت غيبس»، والذي رد على سؤال حول ما إذا كانت فاتورة التحفيز الاقتصادي صغيرة جداً، بالقول المثير للدهشة: «أعتقد أنه من المنطقي الرجوع لثانية فقط... لم يملك أحد، في يناير 2009، فهما كافياً لما كنا نواجهه».
ولكن هذا، بالطبع، هراء محض. كان هناك الكثير من الناس الذين يمتلكون إدراكا كافيا لما كنا نواجهه، ومن بين هؤلاء «بول كروغمان» الذي أخفى بنجاح إدراكه الكافي في صفحات «نيويورك تايمز» (يا له من داهية!). الأمر كما كتب في مدونته ردا على «غيبس»: «إن الحقيقة هي أن البعض منا كان عمليا يصرخ في يناير 2009، لأن الإدارة الأميركية تقترح برنامجا صغير جداً».
في الواقع، كان الكثير من الناس يفهمون بشكل كافٍ، أننا يمكننا أن نخلص إلى أن أوباما وفريقه الاقتصادي اختارا عدم معرفة الأمر. القضية ليست أنهم لم يمكنهم تصور ما سيحدث إذا لم يقوموا بالعمل الكافي، بل إنهم ببساطة اختاروا ألا يتصوروا ذلك.
أولياء الأمور يعرفون أنه إذا كان لديك طفل مريض فعلا، فإنك لن تستجيب للأمر بناء على تقدير لأفضل السيناريوهات، بل إنك تفترض وقوع الأسوأ وتعمل انطلاقا من ذلك.
قارن استجابة الإدارة لأزمة الطبقة المتوسطة ومعالجتها للأزمة المصرفية. في تلك الحالة، فإن المسؤولين الأميركيين المنتخبين، الجمهوريين والديموقراطيين، كانوا أكثر إدراكا لأسوأ ما يمكن أن يحدث.
وفي غضون عطلة نهاية أسبوع واحدة، قيل لنا إنه إذا لم تتصرف الحكومة اليوم، باستخدام أموال دافعي الضرائب، فإن الأسوأ يمكن أن يحدث. وكان قادتنا، على نحو ما، قادرين على تصور السيناريو الكابوسي، المتمثل في انهيار النظام المالي برمته.
وهكذا اتخذوا إجراء، ليس على شكل سلسلة من أنصاف الحلول، بل بعملية إنقاذ جريئة وغير مسبوقة، ولم يدوروا حول الموقف مطالبين بالإجماع. وطالبوا المشرعين بالتوقف عن التلاعب بالسياسة الحزبية، والقيام بما يلزم لإنقاذ البنوك. وقيل لنا إن العالم سينهار لو لم يفعلوا ذلك، وحصلوا على خطة الإنقاذ. ولن نعرف أبدا ما إذا كان العالم فعلا قد انهار، ولكن ذلك كان أمرا ممكنا، لذا فقد اتخذنا إجراء.
هل يتذكر أي شخص رؤية هذا النوع نفسه من المبادرة نحو النكبات اليومية التي تعاني منها الطبقة الوسطى في أميركا؟ الأمر لا يتعلق باحتمالية انهيار الطبقة الوسطى، فهي تنهار حاليا. ومع ذلك، وكما أشار «هارولد بولاك» في مجلة «نيوريبابليكس: «هناك نقص ملموس في المبادرة لمواجهة هذه الأزمة. المشكلة هنا هي مشكلة أولويات، أو عدم وجود أولويات.
فمجلسا النواب والشيوخ يتصرفان بمهارة وسرعة مذهلتين، عندما تحتاج الدوائر الانتخابية القوية وذات الكثافة السكانية فعلا لشيء ما للقيام به. والشئ نفسه فعلته الإدارة.
الأسوأ من ذلك، أن أنصاف الحلول التي قدمتها الإدارة، قوّضت فرصها في الدفاع عن مقترحات جريئة تتناسب مع الأزمة. كما كتب «مارتن وولف»، فإن استجابة أوباما الضعيفة «سمحت للمعارضين بالادعاء بأن السياسة ليست فعالة عندما تكون فقط غير كافية». نتيجة لذلك «فقدت الإدارة مصداقيتها مع الجمهور، وتبددت الفرص المتجددة في التوسع المالي».
وتُركنا أمام أفكار مهدئة مثل: إذا كنا نريد علاجا لاقتصادنا، فإننا نحتاج إلى شيء أبعد من مجرد سوق أسهم سليم. إننا بحاجة إلى الشوارع الرئيسية المزدحمة، والطبقة الوسطى المتنامية والمزدهرة...
وذلك يعني بذل كل ما هو ممكن، من أجل الإسراع نحو خلق فرص عمل». كان ذلك ما ورد في حديث أوباما الإذاعي الأسبوعي. لكن في الواقع، فإن الإدارة لم تكن على وشك فعل «كل شيء» في وسعها من أجل الشعب الأميركي المكافح.
لذلك، كفى أعذارا، وكفى تبنيا لأنصاف الحلول، وكفى ضعفا في التخيل، وكفى افتقارا للمبادرة. آن الأوان لمواجهة الحقائق، وآن الأوان لتبني جميع المعارف الشائعة.
مؤسسة ورئيسة تحرير صحيفة «هافنغتون بوست» الأميركية