المنطقة على سطح صفيح ساخن. المنطقة تتسارع فيها الأحداث. المنطقة تدخل مرحلة التسلح السريع بصفقات بمليارات الدولارات... المنطقة ولا شيء غير المنطقة على صفحات الأخبار الأولى.
العديد من البسطاء يعتقدون أن المنطقة كانت في الماضي تعيش في سلم مع نفسها ومع جيرانها، حتى تم اكتشاف النفط. وهذا اعتقاد خاطئ. فالمنطقة عاشت كما تعيش اليوم دائرة من الشد والجذب مع أطراف مختلفة داخلية وخارجية، مع نفسها ومع جيرانها، واحترقت هي أيضا بنيران الحرب العالمية الأولى والثانية. وبقراءة سريعة لتاريخ الجزيرة العربية وما حولها نجد أنها لم تتمتع يوما ما لا بالأمن ولا بالطمأنينة ولا بالاستقرار.
ونحن اليوم في القرن الواحد والعشرين نشكل حلقة جديدة في هذا التاريخ وفي هذا الصراع. وتحول الصراع مع الوقت ومع اكتشاف النفط من نزاع داخلي محدود إلى لعب دور أكبر شمولية واتساعا. أي أن منطقتنا وما حولها اتجهت لا إراديا إلى مشاركة الأمم الكبرى في اللعبة السياسية العالمية. وكأن هذا الأمر لا مفر منه. وبالفعل هو أمر لا مفر منه.
فأنت إما معي أو ضدي. وأصبحنا ندور في فلك الدول العظمى حيث تدور. وأصبنا بالغثيان. وأصبحنا لأسباب تعود إلى خوفنا وحجمنا المتواضع، وتخلفنا الصناعي، وعدم تطبيق شريعة الأمر شورى بينهم، واعتمادنا اعتمادا شبه تام على منتجات وصناعات الغرب غير قادرين على الخروج من هذه الدوامة.
هل يكفي أن نلقي باللوم على اكتشاف النفط في هذا التحول؟ لا شك. فهو السبب الرئيسي في معظم حروب وصراعات العالم المتحضر. ولكنه ليس الوحيد.
والموقع الاستراتيجي هو أيضا يلعب دورا لا يقل أهمية، وما عدا ذلك فليس هناك ما يشجع على تحولنا إلى بئر أطماع العالم. وفي المقابل نحن نبيع النفط بأبخس الأثمان مقارنة بأهميته الإستراتيجية والصناعية ومحدوديته في الكم والزمن، لا لشيء سوى لدرء عداء الدول الصناعية وغضبها علينا لأننا نضع العصا في دولاب الصناعة الغربية. ولكن حتى مع أسعار البيع الزهيدة ؟
فيما لو اكتشف واستخرج وبيع واستخدم من قبلنا لتطوير صناعاتنا ؟ مع كل ذلك تدخل في خانات ميزانياتها أرقام خيالية من العملات الصعبة تكفي لبناء مدن كاملة بجميع مرافقها وخدماتها الأساسية. وهذه الأرقام التي تدخل ميزانياتنا (يوميا) من هبة النفط، هي أيضا أصبحت محط أطماع العالم. فالكل يريد حصته من فتات حصتنا.
ومن الوسائل السهلة لتشغيل الأيدي العاملة الغربية العاطلة عن العمل وخفض البطالة التي تكلف ميزانياتها أرقاما باهظة، هي بيع منتجاتها التي لا غنى عنها. وأهم تلك المنتجات هي الآلة الحربية.
والصفقات تبلغ مليارات الدولارات تكفي لبناء مدن جاهزة لعشرات الآلاف من المواطنين. فلنتخيل مخازن الأسلحة في المنطقة منذ خروج الاستعمار وبداية الصراع العربي الإسرائيلي. هذا يعني أن هناك جبالا ووديانا من الحديد الخردة تملأ المخازن العربية .
المشكلة الثانية هي أن تلك الأسلحة الحديثة لم تستخدم في أي حرب من الحروب ضد أخطر عدو واجهته الأمة العربية والإسلامية طوال تاريخها الحديث والقديم. وجميع الحروب التي خاضها العرب ضد إسرائيل خسروا فيها. أما آخر تلك الحروب فقد حدثت في المنطقة وكانت للأسف بين دول مسلمة ومتجاورة.
وهناك دراسات مفصلة عديدة صادرة من الدول الصناعية ذاتها تبين ضخامة ومهولة الأرقام التي تخصص لشراء الأسلحة، وكلها تبين بالأرقام والنسب بأن منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج على الخصوص تستحوذ على حصة الأسد فيها.
ولا أحد يعرف إلى أين يذهب كل هذا السلاح المتقدم من الناحية التقنية بعد تسلمه، وماذا يصنع به بعد نهاية صلاحيته. ومن ضمن هذه الصفقات الصفقة الأخيرة التي أبرمتها أو ستبرمها مصانع الولايات المتحدة مع حكومة المملكة العربية السعودية بقيمة 60 مليار دولار أميركي، أي ما يعادل 225 مليار ريال سعودي. وهذا رقم فريد من نوعه.
إننا لا نلوم حكامنا على هذه السياسة. إن التوترات المتزايدة في المنطقة والشعور بعدم الأمان والأمن والأخطار التي تحدق بها من قريب وبعيد والإحساس بالهلع الداخلي، هي سبب تلك الصفقات المخيفة. وبالفعل، لو ألقينا نظرة على خارطة غوغل لوجدنا أننا في منطقة الخليج محاطين بأخطار وتهديدات جمة، خلقناها نحن وليس أعداءنا.
فهناك إيران وتسلحها النووي المتواصل وإمكانية نشوب حرب، وهناك العراق والحرب الأهلية المسلحة وهناك لبنان والخلافات الطائفية التي قد تنفجر فجأة، وهناك اليمن والنزاعات المذهبية المسلحة وتزايد وجود القاعدة وهناك دول خليجية عضو في مجلس التعاون لا ناقة لها فيها ولا جمل يراد جرها بالسلاح إلى نزاعات داخلية تعود جذورها إلى العصور الإسلامية الأولى ما بين شيعة وسنة وكلها نزاعات مسمومة وضعتها المصانع الغربية والسياسة الغربية في الكعكة التي تقدمها لنا بالمجان بعد كل عملية تفاوض على الأسلحة مثمرة.
المضحك المبكي في المسألة أن يعلن قبل أيام بعض زعماء الدول الغربية المتقدمة جدا في صناعة الأسلحة وبكل جرأة من على منصة الأمم المتحدة في كلمته فيما يسمى بـ (مؤتمر القمة لمكافحة الفقر) عن استعداده لتقديم يد العون للدول الفقيرة، وهم يعلمون كل العلم كم عانى هؤلاء الفقراء من استعمارهم.
والآن من بيع ملابسهم لشراء الأسلحة الغربية لتسوية حساباتهم القبلية، وبعدها تعيد الدول الغربية نسبة من أرباحها من صفقات الأسلحة على شكل كعكات إلى تلك الدول الفقيرة لتشتري به من جديد أسلحة أخرى بأثمان أعلى، وهكذا دواليك....
إن أسهل الطرق إلى فقر الدول هو التسلح غير المجدي.
جامعة الإمارات