أيام قليلة وتحل الذكرى الأربعين لوفاة جمال عبد الناصر، لكن الرجل مازال حيا في الوجدان العربي العام، يشغل أذهان البسطاء والمثقفين والباحثين والسياسيين على حد سواء، محققا مقولة نزار قباني «فرب حي تراب القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصبا».
كأن عبد الناصر حي بيننا، نستدعيه ونرفع صوره كلما ألمت بنا الخطوب، ونقارن قرارات الزعماء بما كنا نتوقعه منه، رجل أتعب من بعده وأتعب الوعي العام حين بث أفكارا وبدأ مشروعا نهضويا ثم انكسر ظهر هذا المشروع بهزيمة 1967 ثم انتهى تماما بوفاته، أتعب من بعده حين احترم خيارات الشعوب فلم يتدخل في استفتاء السودان على الوحدة مع مصر أو الانفصال، ولم يتدخل حين اختارت نخبة سورية كان مشكوكا في أمرها الانفصال عن مصر بعد وحدة دامت ثلاث سنوات.
رجل أتعب من بعده حين كان حريصا على قراءة نبض الشارع عبر تقارير الجهات السيادية المختلفة منهكا قلبه العليل، ما دفع الرئيس السادات للقول في أول أيامه بالرئاسة «لا أريد قراءة هذه التقارير فهي التي قتلت عبد الناصر».
أتعب من بعده حين اعتبر نفسه جنديا يخدم مصر، وليس سيدا عليها ينبغي أن تخدمه مصر، حين كانت لديه الشجاعة كي يعترف بأخطائه علنا أمام الشعب كله ويحاول إصلاح ما يتبين له من خلل، فيما اعتبر الآخرون أنفسهم لا يخطئون، فتمادوا وأغلقوا أعينهم وآذانهم، وأبعدوا من طريقهم كل من يتجرأ لإسماعهم ما لا يرضيهم.
كان عبد الناصر شجرة وارفة الظلال لأنه عرف قدر مصر فمد ظلالها أفريقيا وعربيا وإسلاميا، ومنحه قدر مصر هيبة وكاريزما يندر أن تتكرر، راجع التاريخ واقتنع باستراتيجية محمد علي باني نهضة مصر الأول وأدرك أن حدود مصر الحقيقية ليست في المليون كيلو متر مربع، بل ابعد من ذلك بكثير، فخاض حروب الأمن القومي المصري حيثما وجدت.
خسر الرجل معارك وربح أخرى، ربح معارك التأميم والتصنيع والعدالة الاجتماعية وتحديث العالم العربي عبر مساعدته على التحرر من الاستعمار والتخلف والفرقة، كما ربح معركة بسط النفوذ في إفريقيا في مواجهة الاستعمار القديم وفي مواجهة التغلغل الإسرائيلي.
واكتفى من بعده بمصر المنكفئة على ذاتها والمنطوية على جراحها والمشغولة فقط بتعداد سكانها الذي يبتلع خطط التنمية، كما خسر معارك الديمقراطية، فظلت سطوة الأجهزة الأمنية والخوف الفطري لدى المصريين من كل سلطة، وخسر حرب 1967 ولم يتح له عمره القصير أن يضمد جراحا اعترف بالمسؤولية عنها.
لاقي عبد الناصر ربه وهو لا يملك غير 5 آلاف جنيه راتبه الرئاسي لشهر واحد رغم انه حكم مصر 16 عاما، ورغم حملات التشويه البشعة التي تعرض لها لم يجرؤ أحد أن يشكك في ذمته المالية أو يدعي فسادا عرفه وتغاضى عنه.
كما خرج أهله جميعا من تجربة حكمه لمصر فقراء لا يملكون إلا اسمه، وكفاهم ذلك ثروة وشرفا، حتى الفساد الذي يتسلط على عالمنا الثالث لم يعرف طريقة إلى مصر إلا بعد عام 1970. وحين استفاق من كانوا يناصبونه العداء على الواقع الجديد عادوا فأحبوه.
فكتب عبد الرحمن الأبنودي بعد رحيله بتسعة وثلاثين عاما قصيدة «مواويل وتناتيش للذكرى.. جمال عبد الناصر» وحين سئل لماذا بعد العداء والرحيل بسنوات طوال تكتب وقد كنت واحدا ممن سجنوا في عهده، فرد قائلا «اكتشفت ان اللي سَجَنٌا أفضل من اللي ما سَجَنٌاش».
وردة لعبد الناصر في ذكرى رحيله، ووردة لكل زعيم يجيء ويمثل إخلاصه وعفته وكبرياءه وأحلامه للوطن ويتجاوز عن هفواته، سلام عليه يوم يبعث حيا.