تحل الثلاثاء المقبل الذكرى الأربعون لرحيل جمال عبد الناصر، ومنذ رحيله وحتى الآن، ولا يزال اسمه يتردد بشكل مكثف في وسائل الإعلام العربية والعالمية، وما زال اسمه يرتبط لدى الكثيرين بوصف «الزعيم الخالد»، وما زالت أيضاً الحملات الهجومية عليه وعلى أعماله وسياساته وإنجازاته، قائمة ومشتعلة على شاشات الفضائيات الأكثر انتشاراً، والتي يخصص بعضها برامج ومذيعين محددين للهجوم على عبدالناصر.
ويبدو أن هذه الذكرى الأربعين سوف تتميز عن غيرها كثيراً، بعد أن اختارها الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل ليفجر فيها «قنبلته» التي أخفاها أربعين عاما، عندما روى في حديثه الأخير لقناة الجزيرة، قصة «احتمال» أن يكون الرئيس الراحل أنور السادات قد وضع السم لعبد الناصر في فنجان القهوة الذي أعده له بنفسه في فندق هيلتون النيل في القاهرة، أثناء مباحثات «أيلول الأسود».
هذه القصة التي تفتقر إلى الأدلة القطعية وإلى شهود عيان، فقط تستمد مصداقيتها لدى البعض من رواية هيكل لها باعتباره شاهد العيان الوحيد عليها بعد رحيل كل من حضروها، خاصة وأن هيكل روى القصة بتفصيل دقيق، وكان باديا من حديثه أنه هو شخصيا يصدقها، حيث لم يدافع عن السادات ولم ينف احتمال قيامه بتسميم عبد الناصر، فقط اكتفى بالقول إن هذه مسألة خطيرة تفتقر إلى الأدلة القطعية، ولا يجب تداولها وذكرها لأسباب «إنسانية».
أيا كانت مصداقية «قنبلة» هيكل، فإنها قد انفجرت بالفعل وسوف يؤدي انفجارها إلى جدل كبير، وسوف تثار أسئلة كثيرة حول هيكل نفسه، وأسباب صمته أربعين عاما، وهو الذي تعامل بعد ذلك مع السادات وعمل معه.
لا شك أن رحيل عبد الناصر في هذا التوقيت وفي هذا العمر القصير (52 عاماً) أمر غير عادي، رغم إيماننا القاطع بالقدر والأجل المحدد للأعمار، لكن الله سبحانه وتعالى خالق الموت والحياة لم يحتقر عقل الإنسان، ولم يتركه يتخبط ويتهاوى أمام قوة القدر، بل منحه نعمة السببية التي تساعده دائما على فهم الكثير مما يدور حوله في الكون، ولهذا فإن لكل شيء سبباً.
قنبلة هيكل كان من الممكن ألا تحدث أثرها، لولا مكانة عبد الناصر وتأثيره السياسي في التاريخ الحديث للمنطقة العربية والعالم، هذا التأثير الذي ما زال قائما حتى الآن، رغم مرور أربعة عقود على رحيله. وكما قال الكثيرون إنه لا يمكن أن يختلف اثنان على تقسيم تاريخ الصراع العربي/الإسرائيلي إلى مرحلتين؛ ما قبل رحيل عبد الناصر، وما بعد رحيله.
ولا شك أن التغييرات التي حدثت في مصر بالتحديد بعد رحيل عبد الناصر، ما كانت لتحدث في وجوده، على الأقل ما كانت لتكون بهذه الدرجة، حتى ولو كان عبد الناصر هو الذي قاد حرب أكتوبر وحرر سيناء.
فلم يكن عبد الناصر يحارب إسرائيل من أجل أرض مصرية محتلة، ولم يكن أيضاً يحاربها من أجل الشعب الفلسطيني، بل كان يؤمن في قرارة نفسه بأن الصراع مع إسرائيل «صراع وجود، وليس صراع حدود»، وكان يؤمن بأن وجود إسرائيل في المنطقة يشكل عائقا كبيرا يحول دون نهوض الأمة العربية وتقدمها وأيضا وحدتها، وكان يؤمن بأنه لا أمان ولا نهوض لمصر بجانب إسرائيل.
لم تكن هزيمة عبد الناصر في 1967 بالأمر الذي يقنع واشنطن وتل أبيب بأن الرجل قد انتهى وأن الأمور قد حسمت، وكما قال شاه إيران للأميركيين: «عبد الناصر لا تكفي هزيمته في الحرب.. بل يجب استئصاله».
لقد زادت مشاكل مصر والعرب بشكل عام ومشاكل الفلسطينيين بشكل خاص، بعد رحيل عبد الناصر، وكما قال المناضل الفلسطيني الشهيد أبو إياد «كل المصائب تولد كبيرة ثم تصغر، إلا مصيبة رحيل ناصر التي تكبر دائما.. وستظل تكبر مع الزمن».