تجرى مراجعة استراتيجية الأمن القومي في الولايات المتحدة مرة كل أربع سنوات، وتصدر عن ذلك عادة وثيقة جديدة تأخذ المستجدات التي طرأت بنظر الاعتبار، وتعيد صياغة الأهداف والأساليب في ضوء تجربة أربع سنوات من التطبيق.

هناك بصمة خاصة لكل رئيس أميركي على وثيقة الأمن القومي التي تصدر في عهده، فخلال فترة حكم الرئيس السابق جورج بوش صدرت وثيقتان حول هذا الجانب الحيوي، في عامي 2002 و2006، تحملان رؤى إدارته التي تميزت بعض الشيء عن رؤى إدارة سلفه بيل كلينتون.

في الثامن والعشرين من مايو المنصرم، نُشرت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي للسنوات الأربع المقبلة، في وثيقة تقع في 52 صفحة، بعد مناقشات مكثفة استمرت 16 شهراً منذ تولي الرئيس باراك أوباما الحكم.

وقد أشارت الوثيقة إلى العديد من المخاطر التي تهدد الأمن القومي الأميركي في الحقبة المقبلة، منها انتشار الأسلحة النووية، وعدم الاستقرار الاقتصادي، والتغيرات المناخية، وانتهاك المبادئ الديمقراطية في الخارج، والجرائم الإلكترونية.

بُنيت هذه الاستراتيجية الجديدة، على أساس أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك العناصر التي منحتها القوة وأهلتها لموقع القيادة على المستوى العالمي منذ ستة عقود، إلا أن راسمي الاستراتيجيات الأميركية الجدد يرون أن أعباء القرن الجديد، وهي ليست قليلة ولا هينة، لا يمكن أن تقع على كاهل الولايات المتحدة وحدها.

لذلك حرص هؤلاء على تضمين الوثيقة نصاً يؤكد على ضرورة العمل على بناء علاقات شراكة فاعلة، مع مراكز القوة والنفوذ والتأثير السياسي أو الاقتصادي أو العسكري في العالم، وخاصة روسيا والصين والهند. كما أشارت الوثيقة بقلق، إلى أن النظام العالمي الذي تشكلت معالمه عشية الحرب العالمية الثانية، يواجه صعوبات وينوء بأعباء مواجهة أخطار جديدة.

وقد حرصت إدارة الرئيس أوباما في الوثيقة الجديدة، على تكرار التأكيد على الالتزام بالقيم الأميركية والالتزام بالقوانين، فالولايات المتحدة ينبغي أن تكون قوية في الداخل كي تصبح قوية في الخارج. وقد ورد في هذه الوثيقة أن الديمقراطية وحقوق الإنسان والالتزام بالقوانين، هي أعمدة الاستراتيجية الأمنية الجديدة.

لقد وعد الرئيس أوباما الأميركيين في حملته الانتخابية بالتغيير، فهل نجح في أن يعكس رغبته هذه في وثيقة الأمن القومي الجديدة؟

محوران واضحان في الوثيقة الجديدة، يشيران إلى أن إدارة الرئيس أوباما قد سجلت لنفسها، على الورق، موقفاً يختلف بعض الشيء عن موقف إدارة الرئيس السابق جورج بوش، في ما يتعلق بالسياسة الخارجية:

1. عدم قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري بشكل منفرد، كما كان الوضع الاستراتيجي في وثيقة بوش، وإنما تعمد عند الضرورة إلى اتخاذ الإجراءات بهذا الخصوص من خلال منظمات دولية، كالأمم المتحدة وحلف الناتو، مع الإشارة إلى ضرورة العمل على إدخال إصلاحات جوهرية في هاتين المنظمتين.

2. الحذر في تسمية العدو الذي تواجهه الولايات المتحدة، وتبديد المخاوف حول ما ورد في وثيقة الأمن القومي إبان عهد الرئيس بوش، من أن «الإسلام المتطرف» هو العدو الذي تواجهه الولايات المتحدة. فقد اكتفت الوثيقة الجديدة بالإشارة إلى أن العدو الذي تواجهه الولايات المتحدة، هو تنظيم القاعدة والمنظمات الإرهابية المرتبطة بها، دون أن تشير إلى الإسلام من قريب أو بعيد.

إلا أن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، في الكلمة التي ألقتها في معهد بروكنغز والتي تحدثت فيها عن الاستراتيجية الأمنية الجديدة، قد اعتبرت الديون الثقيلة التي تدين بها الولايات المتحدة من الأخطار التي تضعف أمنها، وذلك لأن من الصعوبة بمكان إدامة خدمة هذه الديون دون أن تفقد الولايات المتحدة سيطرتها ونفوذها، فالديون هذه تفرض قيوداً قد تعيق الولايات المتحدة عن اتخاذ بعض القرارات الحاسمة.

ومن المعروف أن مجمل الديون التي في ذمة الولايات المتحدة، تبلغ قرابة ثلاثة عشر تريليون دولار، أي ما يعادل 90% من الناتج الإجمالي الوطني، فهي أكبر دول العالم مديونية.

ولم يفت بعض المراقبين ملاحظة أن وزيرة الخارجية في كلمتها التي أشرنا إليها، وهي تواجه مجموعة من الحضور ضمت عدداً كبيراً من المهتمين بصياغة السياسات الخارجية والإعلاميين، قد عكست بشكل غير مباشر، قناعة إدارة الرئيس أوباما بأن الولايات المتحدة لم تعد بالصلابة التي كانتها، وأن الدور الأميركي في العالم يشهد بدايات الأفول.

إلا أن الوزيرة أكدت عزم هذه الإدارة على استعادة الدور القيادي للولايات المتحدة، من خلال انتهاج استراتيجيات جديدة في الداخل والخارج. وهذا في الحقيقة تقييم موضوعي رصين للتراجع في الدور الأميركي على المستوى العالمي، يندر أن يصرح به علناً من يشغل موقعاً قيادياً في فريق الأمن القومي الرئاسي.

غير أن إدارة الرئيس أوباما لم تقدم حتى الآن، على مستوى السياسة الخارجية، ما يميزها عن إدارة الرئيس السابق جورج بوش. فالانسحاب الجزئي للقوات الأميركية من العراق، ليس سوى التزام بالجدول الزمني لتنفيذ الاتفاقية الموقعة بين العراق والولايات المتحدة (صوفا)، التي أبرمت إبان حكم الرئيس بوش.

من جانب آخر، هناك صعوبة في تفهم كيف أن الالتزام بالقوانين المحلية والدولية الذي نصت عليه وثيقة الأمن القومي، ينسجم مع بعض أبرز القرارات التي اتخذتها إدارة الرئيس أوباما. فقد صعدت هذه الإدارة من شدة العمليات العسكرية في المناطق القبلية شمال غرب الباكستان، رغم الاعتراضات الرسمية لحكومة كراتشي التي ترى أن ذلك إخلال بأمن مواطنيها وتجاوز على سيادتها، كما أن بعض عمليات القوات الأميركية في أفغانستان نفسها، لم تعد تحظى بموافقة الحكومة الأفغانية.

هذا إضافة إلى استمرارها في محاكمة بعض من لديها من الأسرى المتهمين بالإرهاب أمام محاكم عسكرية، بدلاً من المحاكم المدنية كما سارت عليه إدارة الرئيس بوش.

الولايات المتحدة دولة مؤسسات لا تتغير أهدافها بتغير الرؤساء، قد يكون هناك اختلاف في بعض المقاربات لهذه القضية أو تلك، إلا أن الأهداف الاستراتيجية تبقى دون تراجع، حتى لو أصاب القدرة على تحقيقها بعض الوهن.

كاتب عراقي

mohammedakif@yahoo.ca