كان طيّباً من مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورتِه الماضية، أنّه أتاح لجمهورِه مشاهدةَ الفيلم اللبناني «شو صار»، والذي تُرافق الكاميرا فيه بحثَ مخرجِه والشخصيّةِ الرئيسية فيه، ديغول عيد (40 عاماً)، عن حقيقةِ مجزرةٍ قُتل فيها والداه وأختُه وعشرةٌ من أفراد عائلته في 1980.

ويتحرّى الفيلم ما إذا كان القتلُ نتيجةَ خلافٍ عشائريٍّ بين عائلتين، أم لانتقامِ مسؤولٍ في حزبٍ سياسيٍّ من شخصٍ متهمٍ بقتلِ أخويه، مسؤولٍ في حزبٍ آخر.

الجديد بشأن الفيلم أنّ الرقابة في الأمن العام اللبناني منعت عرضَه، قبل أيام، في أيّ عروضٍ تجاريةٍ وثقافيةٍ، «وأداً للفتنة، لأنه يثيرُ نعراتٍ طائفيةٍ وسياسيةٍ وحزبية».

ما يدلّل مجدداً على المأزقِ الفادحِ في الحالة اللبنانية بشأن التعامل مع الماضي، وبالذات مع سنواتِ الحرب الأهلية، فثمّة تواطؤٌ واسعٌ هناك لتفادي أيِّ مواجهة مع ذاكرة تلك الحرب.

ما يتّسقُ مع عدمِ قدرة لبنان على توحيدِ كتاب التاريخ في المنهاج المدرسي، وهو الأمر الذي نص عليه اتفاق الطائف الذي أنْهى الحرب، فتشكلت من أجله «لجنةٌ عليا» من عشرةِ مؤرخين يمثلون كلّ الطوائف، ثمّ لم تفلح.

تلا منعَ عرض الفيلم، الحارّ والجارح، أنّ نائباً من حزب الكتائب (المشارك في الحكومة اللبنانية!)، تباهى أمام الكاميرات بالعلاقةِ التي كانت بين الكتائب وإسرائيل، وقال إنها ليست مُخجلةَ بالنظرِ إلى حاجةِ ما سمّاها «المقاومة اللبنانية» للسلاح.

ويعني هذا الكلام أنّ مراجعةً شجاعةً للماضي لا يريدُ الحزب المذكور (وغيرُه)، أنْ يتمّ شيءٌ منها. والمفارقةُ المؤسفةُ أنّه واكبَ الذكرى ال28 لمجزرة «صبرا وشاتيلا»، والتي كان ارتكابُها تعاوناً كتائبياً إسرائيلياً مشهوراً، وقضى فيها، بالإضافة إلى فلسطينيين كثيرين (لا عددَ مضبوطاً لهم!)، لبنانيون وسوريون و... وبنغاليون.

ورغم مرورِ هذه السنوات، لم يتقدّم أيٌّ من أهل «اليمين اللبناني» (بتعبير وليد جنبلاط)، بأيِّ مفردةِ اعتذارٍ للضحايا، ولمّا سأله غسّان بن جدو على «الجزيرة»، قبل أيام، عمّا إذا كان في وُسْعِهِ أن يعتذر، أجابَ عضو المكتب السياسي في «الكتائب» إبان المقتلة المريعة، كريم بقرادوني.

بما يوحي بأنه ليس مخولاً بذلك، غير أنّه يعتذر من باب أنّ دينَه المسيحيّ لا يجيزُ اقتراف تلك الفعلة الفظيعة.

لا يُيسّر الراهنُ اللبناني، حيث لا يرادُ فيه للتأزّماتِ والتوتراتِ أنْ تتوقف، صيغةً لمصارحةٍ صعبةٍ من أجل «طي صفحة الماضي»، بحسب التعبير الأثير في الفلكلورياتِ الكلاميّة إيّاها.

ونتذكر أنّ سمير جعجع، إبّان خروجِه من السجن، ابتسمَ وصمتَ لما سألته صحافيةٌ عما إذا كان نادماً على أمرٍ فعله في الماضي، ونتذكّرُ أنّها كانت استثنائيةً عبارةُ دوري شمعون «جميعنا أخطأ، والشعب اللبنانيُّ يستحقُّ كلمة اعتذار».

وهذا وزير الإعلام طارق متري يدعو الأسبوع الماضي، في ندوةٍ عن الملاحقات القانونية في «صبرا وشاتيلا»، إلى «كشفِ حقائقِ الماضي دونِ الوقوعِ في خلافاتِ الحاضر»، وهذه معادلةٌ عويصةٌ، نظنّها عصيّةً على التحقق، طالما أنَّه يتم منعُ عرضِ فيلمٍ سينمائي يحفرُ في ذاكرةٍ شخصيةٍ عن واحدةٍ من المجازر الأهلية، دون تحريضٍ على ثأرٍ أو انتقام.

وهو فيلمٌ ربما يصبُّ في الهدفِ من دعوةِ الوزير غازي العريضي، قبل سنوات، إلى أن يتحاوَرَ اللبنانيون، على اختلافِ طوائفهم ومحازباتهم، بشأن الحرب التي مضت، في صراحةٍ ومكاشفة، ضمن ما يشبهُ لجنةَ المصالحة والحقيقة التي تشكلت في جنوب إفريقيا بعد انتهاءِ النظام العنصري.

يأتي إلى البال ذلك الكلام الكبير، في ما ضجرُنا من إطنابِ الزعاماتِ اللبنانية في الحديث عن «العيش المشترك» وفير، كما مقاديرُ الالتباس في التوافقاتِ والتوازناتِ في بلدِهم، حين يُؤشّر إلى بعضِها كلامٌ رديءٌ لنائبٍ منتخب، واستذكارٌ منقوصٌ ل«صبرا وشاتيلا»، ومنعُ فيلمٍ رائقٍ اسمه «شو صار».