يختلف الناس كثيراً في فهمهم لقيمة أنفسهم، ويختلفون أكثر في طرائق تعبيرهم عن هذا الفهم، ولذلك يقعون في مطب سوء تقدير الذات، ويقفون في طرفين متباعدين بعد المشرقين والمغربين؛ فمنهم من يعطي نفسه أكثر بكثير من حجمها الحقيقي، ومنهم من يعطي نفسه أقل بكثير من هذا الحجم.
ولكنني لن أقف اليوم إلا عند هذا الصنف الثاني، ولن أقصد به بأي حال من الأحوال أولئك الذين يتواضعون ويقدمون أنفسهم على نحو أقل بدرجة أو درجات من المستوى الذي يجدر بهم تقديم أنفسهم من خلاله.
بل أقصد أولئك الذين لا يعرفون قيمة كونهم بشراً مكرمين من الله عز وجل، مميزين عن غيرهم من الكائنات التي تعتمد على كل شيء آخر، إلا عقلها وإدراكها وتمييزها في تصريف أمورها في هذه الحياة.
إن مجرد كوننا بشراً يعني أننا نتفوق على الكائنات التي تمشي على أربع، أو تزحف على بطونها، أو تضرب بجناحيها شرقاً وغرباً في سبيل الحصول على ما تسد به رمقها وتشبع به جوع صغارها.
تفوقُّنا هذا عليهم يعني بشكل صريح ومباشر، أننا نمتلك ما لا يمتلكونه، وهو العقل الذي أنعم الله به علينا، ويجب علينا استغلاله في ما ينفعنا ويكفينا ويغنينا عن التصرف كتلك الكائنات التي لا همّ لها سوى الحصول على المأكل والمشرب، لكن الكيفية ليست مهمة كثيرة عندها، ولا يعنيها إن كان فيها اعتداء على الآخرين، أو مذلة للنفس وصَغَار، أو أية قيمة سلبية أخرى.
هناك من يتصرف تماماً كما تتصرف هذه الكائنات، القوي يأكل الضعيف، والضعيف يتذلل ويتنازل عن كرامته التي هي كينونته البشرية، في سبيل الحصول على النزر اليسير من الطعام أو الشراب، خوفاً من الموت ربما.. دون أن يعرف أن الموت هو ما يقوم به، والموت الفعلي أكثر رأفة ورحمة من ذل السؤال، ومن إراقة ماء الوجه أمام كل «من هب ودب».
لقد فقد بعض الناس إحساسهم بقيمتهم البشرية، نتيجة صعوبة الحياة اليومية، وضيق ذات اليد، ولعدد من الأسباب الأخرى التي تجعل تفكيرهم منصبّاً على كيفية الحصول على حاجة ضرورية ملحّة، كالطعام أو الشراب أو الدواء أو الملبس.
دون أن يهتموا بكيفية الحصول عليها، أو بما قد يدفعونه ثمناً لها.. لذلك لا يترددون في أن يسلكوا أي طريق يتيسر لهم كي يصلوا إلى غايتهم.
ويستمرون في الهبوط تدريجياً مرة بعد مرة، إلى أن يصبحوا أقرب إلى تلك الكائنات، ولكن مع فارق بسيط؛ هو أنهم يمشون على قدمين، أما العقل فيكونون قد ألغوا وجوده من البداية، بمجرد أن وافقوا على أن يعطوه إجازة مفتوحة مدى الحياة، وانخرطوا في الحياة البهيمية التي تسمح لهم بالحصول على ما يريدون، مهما كانت الظروف، ومهما كانت الطريقة، ومهما كانت النتيجة!
ولعل أكثر ما يحضرني في هذا الوقت وأنا أكتب هذه السطور، هو منظر المتسولين والمتسولات الذين ينتشرون في كل ركن وزاوية من زوايا الخارطة العربية، وكأن هذه الطاقات البشرية لا تستحق أن تعيش بكرامة بني الإنسان، ليس لأن من حولها لا يريد لها ذلك.
ولكن لأنها ارتضت لنفسها العيش تحت جناح الذل، واستسلمت لتصوراتها المغلوطة عن عدم إمكانية الحصول على أي شيء في هذه الحياة إلا بهذه الطريقة، وقبلت بأن تعيش وتموت كالبهائم، حين نصرفها عنا بحركة انزعاج وضيق.
فلا يكون منها إلا أن تعود لنا مرة أخرى، لأن تفكيرها محصور في كيفية الحصول على ما تريده منا حينها، وليست عندها حسابات خاصة بالكرامة أو العزة أو ما شابه ذلك، وهذا ما يحدث لمن يرتضي لنفسه العيش بقانون التشرد والتسول.
سيقول الكثيرون إن بعض هؤلاء مظلوم، وإن الظروف هي التي أجبرتهم على أن يكونوا في مثل هذا الموقف، ولكن الذي يعرفه أي عاقل، هو أنه لا يوجد ظرف من الظروف يسمح للإنسان بأن يتنازل عن إنسانيته وكرامته، وأن يتخلى عنهما حتى يحصل على ما يريده.
إن مثل هؤلاء الناس غالباً لا يشعرون بأنهم حصلوا على ما يريدون، لأنهم يبقون دائماً في حاجة لشيء آخر، ولن يمنعهم شيء عن الاستمرار في التنازل عن إنسانيتهم وإراقة ماء وجههم، لأن كل تنازل يجر وراءه تنازلات أكثر، ويجعل الأمور تبدو أكثر سهولة مما هي عليه أساساً، حتى يصل الشخص إلى الدرك الأسفل في سلم الحياة وهو لا يشعر بنفسه.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com