من بين الرجال الذين تعاقبوا على قصر الإليزيه في العقود الثلاثة الأخيرة، خرج جيسكار ديستان وحده بعد ولاية رئاسية واحدة. أمام نيكولا ساركوزي خريف عاصف. إما أن يستعيد الرجل مصداقية افتقدها تحت وقع مطارق متلاحقة أو يلحق بمصير ديستان.

عند المنعطف الثاني من ولايته الرئاسية الأولى تراجعت شعبية ساركوزي على نحو يضعه في مهب العاصفة. الرئيس الفرنسي مطالب بالتصدي لضغوط سياسية متعددة المصادر هو محورها. ساركوزي متهم بانتهاك المبادئ الأساسية للجمهورية الفرنسية. بالإضافة إلى الإخفاق على الجبهة الاقتصادية.

إزالة مخيمات الغجر العشوائية ألحقت شرخاً عميقاً بصورة فرنسا في المرايا الأوروبية. القرار الصادر عن ساركوزي أثار غضباً في الشارع الفرنسي، مما دفع سياسيين ومثقفين وفنانين للتوقيع على رسالة احتجاجية نشرتها «ليبراسيون» بعنوان «لا تمسوا أمتي». المفوضية الأوروبية اعتبرت الإجراء خطوة عنصرية ضد رعايا أوروبيين. البرلمان القاري دان الممارسة الفرنسية. 75% من الفرنسيين يعترفون بالتشويه الذي لحق ببلادهم في الخارج. 62% من الفرنسيين لا يرغبون في رؤية ساركوزي مرشحاً في الانتخابات الرئاسية المقبلة في العام 2012.

البرلمان أجاز الأسبوع الأخير خطة ساركوزي الخاصة برفع سقف سن التقاعد سنتين فوق حاجز الستين. في مطلع الشهر المقبل ينظر مجلس الشيوخ في التعديل ويجيزه في الغالب. التعديل يشكل عنصراً أساسياً في برنامج ساركوزي.

معركة ساركوزي الحقيقية ليست داخل البرلمان بل في الشارع الفرنسي. تلك هي الجبهة الحاسمة، حيث ينتصر أو يخسر الساسة. هناك تعرَّض آلان جوبيه رئيس الوزراء في عهد شيراك لخسارة معركته الإصلاحية في العام 1995. كما خسر دومينيك فليبان معركة مماثلة في العام 2006.

الفرنسيون فخورون بنظام الضمان الاجتماعي الذي يغطيهم من المهد إلى اللحد، ويرفضون التنازل عن أي بند فيه أو قبول تعديل عليه دون معركة ساخنة.غداً تنظم النقابات العمالية إضراباً هو الثاني في سياق رفض تعديل سقف سن التقاعد. الصدام بين الرئيس والنقابات يشكل محوراً رمزياً في معركة البرنامج الإصلاحي. ساركوزي أخفق في الوفاء بوعود الحملة الانتخابية، وفي مقدمتها الرخاء ومكافحة البطالة واستعادة مجد الجمهورية.

بالإضافة إلى الإخفاق أمسى ساركوزي طريد سلسلة من الفضائح السياسية أبرزها ما بات يعرف بفضيحة ليليان بتنكور وريثة مستحضرات التجميل الشهيرة «لوريال»، هذه فضيحة تطال وزير العمل والمال السابق أريك فيرت. كذلك تفوح روائح فضيحة تجسس على صحيفة «لوموند» اعتبرها خصوم الرئيس في حدها الأدنى ممارسة تتجاوز حيادية الدولة، وفي حدها الأقصى انهياراً أخلاقياً.

جبهة ساخنة أخرى أمام ساركوزي في الخريف العاصف، تتجسد في موازنة العام المقبل ويتم طرحها في البرلمان نهاية الشهر الجاري. بغض النظر عن الجدل المرتقب من قبل النواب، فإن ساحة المعركة للكسب أو الخسارة في سبيل الفوز بولاية ثانية تدور كذلك في الشارع الفرنسي.

ساركوزي يواجه تهديداً حقيقياً داخل اليمين من قبل دومينيك شتروس فان وزير الاقتصاد السابق. كما يشكل دومينيك فليبان مصدر خطر، بعض المراقبين يرى هزيمة حتمية لساركوزي أمام اليسار بعد إعادة رص صفوفه.

ساركوزي لا يمثل أنموذجاً فرنسياً جاذباً في الشارع الفرنسي. الرجل ينحدر من أصول مجرية. إبان توليه وزارة الداخلية اتسم بمواقف بالغة الحدة تجاه المهاجرين. بينه وبين هؤلاء عداء متصاعد، بالإضافة إلى إعادة تصدير الغجر هدد ساركوزي الفرنسيون الجدد بتجريدهم من الجنسية في حالة ثبوت ارتكابهم جرائم ضد رجال الأمن.ساركوزي سياسي براغماتي في عيون البعض، وانتهازي في عيون بعض آخر. هؤلاء يرون فيه قدرة على الانحناء أمام الرياح ولا يستبعدون ركوب موجة مغايرة في الشتاء العاصف.