أمران استأثرا باهتمام الأوساط السياسية اللبنانية الأسبوع الماضي، تمثل أولهما في المؤتمر الصحافي الناري الذي عقده مدير عام الأمن العام سابقا، اللواء الركن المتقاعد جميل السيد، نظراً لما انطوى عليه من اتهامات خطيرة في حق رئيس الحكومة سعد الحريري واركان في السلطة القضائية، وصولاً إلى تهديد الرئيس الحريري شخصياً في حال عدم حصول اللواء السيد على ما يعتبره حقاً قانونيا له، بعد احتجاز حريته لمدة أربع سنوات موقوفا في السجن.

وثانيهما المصالحة المفاجئة والغنية بالدلالات، بين البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير والزعيم الماروني الشمالي النائب سليمان فرنجية، والتي انتهت إلى تأكيد فرنجية على المرجعية الدينية والوطنية لمقام بكركي في الحياة السياسية اللبنانية.

في ما يختص بالحدث الرئيسي الأول الذي ما زال يتوالى فصولاً.. توقفت الأوساط السياسية أمام جملة أسئلة، منها:

لماذا أعلن السيد ما أعلنه في هذا التوقيت بالذات؟ هل الأمر ذو صلة بتوقع صدور القرار الظني عن المحكمة الدولية قريباً؟ هل الهجوم الصاعق على الرئيس سعد الحريري جزء من حملة ستكبر تباعا، على المحكمة الدولية وعلى الحريري شخصيا، من أجل إجهاض المحكمة وإضعاف موقع الحريري في رئاسة الوزراء اليوم ومستقبلا؟ هل من علاقة بين هجوم السيد وحملة «حزب الله» على جميع المستويات، على موضوع «شهود الزور»؟ وهل من علاقة منسوجة بين السيد و«حزب الله» تجعله يعلن ما يتحفظ «حزب الله» عن إعلانه بنفسه؟

لماذا يتعمد السيد أن يدلي بمواقفه النارية، بعد زيارة دمشق واجتماعه المطول بالرئيس بشار الأسد لمدة ساعتين؟ هل هي مجرد صدفة أن يتم الأمر للمرة الثانية على هذا النحو؟ وهل تريد دمشق أن توجه رسالة سياسية؟ ما وراء هذه الرسالة الاعتراضية؟ وعلى ماذا؟ وإذا لم تكن هناك صلة بين القيادة السورية وما أعلنه اللواء السيد، فلماذا يتم السماح له بأن يعلن هذه المواقف بعد الاجتماع مباشرة بالرئيس السوري؟ وهل سيصدر توضيح ما من السلطات السورية ينفي أية علاقة بين اتهامات السيد وموقف دمشق؟

ولماذا قام العماد ميشال عون بشن هجوم صاعق على رئيس الجمهورية اللبنانية، بعد اجتماع الرئيس الأسد بالوزير جبران باسيل الذي يعتبر اليد اليمنى للعماد عون؟

القوى السياسية القريبة من دمشق، تؤكد أن سوريا لا تقف خلف حملة اللواء السيد على الحريري، وأن الرئيس السوري أبلغ الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز لدى الاتصال به، تبرؤه من كلام السيد ووثوق علاقته بالرئيس الحريري، جازما بأن هذه الحملات المتبادلة «فصل لبناني محض» لا تتدخل فيه دمشق سلبا أو إيجابا، والأمر نفسه تم عندما أبلغت الوزيرة السورية بثينة شعبان مساعدي الرئيس الحريري استمرار ثقة الرئيس الأسد برئيس الوزراء اللبناني.

لكن الأوساط القريبة من الرئيس الحريري ما زالت على خشيتها من وجود لغة مزدوجة لدى القيادة السورية، ومن استمرار دمشق في التساهل مع الحملات التي تستهدف الحريري من قبيل الضغط السياسي عليه.

ماذا يعني إعلان السيد أنه سيأخذ حقه بيده؟ ألا يمثل ذلك جرما يعاقب عليه القضاء؟ هل يسمح لأي مواطن لبناني بأن «يأخذ حقه بيده»؟ وماذا يعني التشدق بدولة القانون والمؤسسات إذا كانت شريعه الغاب هي السائدة؟

صحيح أن المدعي العام التنفيذي القاضي سعيد ميرزا، طلب استدعاء اللواء السيد من أجل الاستماع إلى شهادته، ولكن هل سيصدر ميرزا مذكرة توقيف غيابية في حق السيد إذا امتنع عن الحضور؟

هل درس الرئيس الحريري التداعيات التي يمكن أن تترتب على موقفه الذي أعلنه في صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية؟ هل حسب حسابا للخطوة التالية أم أن ردة الفعل من جانب «حزب الله» جاءت غير متوقعة، فلم تقابل موقفه الشجاع بموقف مماثل؟

لماذا لم ينتظر الرئيس الحريري توصيف المحكمة لـ «شهود الزور»؟ ومثله فعل اللواء السيد؟ أليس هذا السلوك نوعا من عدم الاعتراف بالقول الأخير الفاصل للمحكمة؟ وماذا يبقى للمحكمة إذا كانت المواقف السياسية تحل محلها في التجريم والبراءة؟

لماذا يظهر اللواء السيد بهذه السطوة التي تجعله قادرا على الاتهام والتأثيم والتهديد؟ هل تكون تلك سطوة شخصية أم أن لها صلة بمن يقفون خلف اللواء السيد؟ ومن هم؟

إلى أين يمكن أن يمضي السيد في هجومه على الرئيس الحريري؟ وهل يكتفي الحريري بتحريك الحق العام ممثلا بالنيابة العامة التمييزية أم أنه سيرفع دعوى خاصة على اللواء السيد بتهمة القدح والذم؟

ما هي حدود تضامن حزب الله مع اللواء السيد؟ هل يطيح حزب الله بالهدنة الهشة التي تحكم علاقته بالحريري، نزولا عند مقتضيات الوفاق السوري ـ السعودي، أم يخرج على هذا السقف؟

لماذا أقدمت قوى 14 آذار على رفع سقف خطابها السياسي، من خلال اتهام «حزب الله» بأنه يحضر لانقلاب سياسي (وأمني) على الوضع اللبناني؟

لماذا تأخر اللقاء الموعود بين السيد نصر الله والرئيس سعد الحريري، رغم الضرورات الأمنية التي تحتمه؟

هل ستكون هناك ملاحقة قضائية لبنانية لمسألة «شهود الزور»؟ وهل يقبل الرئيس الحريري بأن يرسل إلى دمشق جميع المقربين منه الذين اتهموا بأنهم وراء «فبركة» شهود الزور وحمايتهم وتلقينهم دورهم الاتهامي سابقاً لسوريا؟

لقد عاش الرئيس العماد ميشيل سليمان ساعات عصيبة يوم الاشتباك المذهبي السني ـ الشيعي في «برج أبي حيدر»، وساعات عصيبة أخرى عند اندلاع المواجهة الكلامية بين اللواء جميل السيد وتيار «المستقبل»، مما اضطره لتوجيه نداء إلى السياسيين داعيا إياهم إلى التزام الهدوء اللفظي وعدم تجاوز الدستور والمؤسسات، فهل يستجيب الساسيون لهذا النداء؟ هل تنجح محاولات الإطفاء التي يقوم بها الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط، من أجل منع أي تفاقم في التوتر السني الشيعي الذي انكشف في حادثة «برج أبي حيدر»، قبل أن تقع الواقعة التي يخشى منها الجميع؟

السؤال الأخير الذي يقلق الأوساط السياسية والشعبية، هو التالي: هل تتوصل المملكة العربية السعودية إلى تأجيل القرار الظني حول محاكمة قتلة الحريري، تمهيدا لتعديله وسحب فتيل التفجير منه؟!