تنتقل البشرية اليوم إلى طور حضري جديد أثر فيه بشكل مركزي ذلك التزاوج بين المعلومات وثورة الاتصالات الذي خلق مجتمعا جديدا أطلق عليه مجتمع (الإنفوميديا) فكل من الثورتين يعتمد على الآخر فلولا وسائل الاتصال لما تمددت وانتشرت ثورة المعلومات، باعتبارها مواعينها وأدوات تمددها الأفقي والرأسي التي نشهده يزداد يوما بعد يوم وما صاحبه من تقنيات جديدة وشبكات تجمع بين الصورة والصوت والنص المكتوب والمعلومات البيانية وهو ما يطلق عليه تقنيا «النص الفائق».

ولاشك أن عدم تنوع مصادر المعلومات واختزال الأطراف الفاعلة فيها هو من أسوا أشكال الاستنساخ الفكري الذي يمثل نهاية التعددية ويصبح الكل في واحد وهو ما نلمس أثاره من خلال الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) والتي تسهم الولايات المتحدة وحدها فيها بما يقرب من 80% من المادة المتاحة وأوروبا الغربية حوالي 14% وتشترك بقية دول العالم بما نسبته 5% حتى على مستوى وسائل الإعلام التي يسيطر على مخرجاتها الإخبارية وتحديد الأهمية النسبية لعناصرها وكالات الأنباء الأربع الكبرى.

إن عصر المعلومات يضع تحديات هائلة أمام صانعي القرار - سواء كانوا أفراد أو مؤسسات - إذا لم تكن هناك استراتيجيات محددة ذات أهداف واضحة، مع تنسيق كافة الجهود المبذولة لتحقيقها وإنشاء آلية لتحليل طوفان المعلومات واستخلاص الاقتراحات التي يتم وضعها أمام صانع القرار.

وحول العلاقة المتشابكة بين الأضلاع الثلاثة المعلومات والإعلام واتخاذ القرار طوف بنا معالي الدكتور سعيد سلمان الرئيس الأعلى لجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا في إحدى الأمسيات الثقافية والتي اعتادت الجامعة عقدها - بمشاركة نخبة من أصحاب الاختصاص والقرار ورجال الإعلام والفكر ؟

حول «أثر المعلومات والإعلام في صنع القرار» منطلقا من منهج تشريحي غلبت عليه رؤية الأكاديمي الماثلة في تفتيت المشكلة لسهولة التعامل مع كل جزء منها ثم وضع ملامح للخروج من خلال خبرة رجل عركته سنوات تولى فيها حقائب وزارية ومهام دبلوماسية اعتاد صاحبها أن يضع رؤى حالمة استطاع أن يحول الكثير منها إلى واقع واستعصى بعضها الآخر تم ذلك.

كما اعتدنا من خلال عرضه لعدة ملفات وهي لغة نفقهها في جامعة عجمان مؤكداً على أهمية المعلومات بالنسبة لمن يوكل إليه صنع القرار مهما كانت درجته في السلم الوظيفي أو حدود مسؤولياته أو ميدان اختصاصه ابتداء من إدارة شؤون البيت حتى شن الحروب ضاربا المثل بحرب الخليج التي اعتمدت على المعلومة قبل الآلة العسكرية والغلبة فيها كانت لمن يملك مصادرها ولديه آليات توظيفها والاستفادة منها سواء إعلاميا أو عسكريا.

وهنا يأتي دور الجامعات والمعاهد العلمية ومراكز المعلومات والبحث والتدريب باعتبارها بيوت للخبرة إلى جانب مهامها التعليمية لافتا الانتباه إلى المعايير الأخلاقية التي يجب أن تحكم العلاقة بين المعلومات وصنع القرار والتي بدونها تفقد جوهرها الإنساني وتصبح نتائجها كارثية عانت منها البشرية عقوداً وما تزال والشاهد على ذلك تشنج علاقة الغرب بالآخر والناتجة في أغلبها عن الغرور والاستعلاء والتي تنعكس على قراراته المبنية عن جهل بثقافات العالم أو الاستخفاف بها.

ولأنه كما أسلفت لا يكتفي بالتشخيص دون وضع الحلول فقد أعلن - كما أوضح الأستاذ على عبيد في مقاله المنشور بتاريخ 13-9-2010 بعنوان مشروع الدكتور سعيد سلمان - عن استعداد الجامعة للتلاقح فكريا مع من لديه أفكار تكاملية لتدريب ألف شخص بعد التعرف على قدراتهم ليصبحوا بدورهم مدربين لاحقا في مجال توفير المعلومات لصانعي القرار شرط توافر الرؤية والإرادة. ليعلن عن مشروعا نهضويا جدير بأن نضعه من أولوياتنا الحضارية.

وهذا ما أكد عليه الفريق ضاحي خلفان تميم قائد عام شرطة دبي خلال حديثه في الأمسية ذاتها من أهمية وجود مراكز لدعم القرار لأن لدينا ثروة كبيرة من خريجي الجامعات الكبرى غير أن تواجدهم ضعيف حيث نريدهم، مشيراً إلى أهمية وجود مراكز دعم اتخاذ القرار إن لم يكن على المستوى الرسمي فعلى مستوى الأشخاص. والحق أنني اتفق معهما في هذا الطرح ذلك أن إنشاء الشبكة القومية للمعلومات في أميركا والتي تستهدف تبادل المعلومات وتوفيرها.

جاء كأولى ضمانات استمرار الريادة الأميركية في العالم خلال القرن الحالي حيث أن المعلومة لا تعد في ذاتها مصدرا من مصادر القوة لكن قوة المعلومة تأتي من عدة جوانب تشمل تصنيفها وامتلاك أدوات تخزينها وسهولة استدعائها وتوظيفها في الوقت المناسب مع قدرة على سبر أغوارها بل تخطيها واستقراء ما وراءها واتخاذ القرار المناسب الذي لا يشترط فيه أن يكون اختيار بين بدائل لحل مشكلة معينة لكن قد يتخطى كل البدائل المطروحة ليأتي برؤية جديدة.

والحقيقة أن إذا ما نظرنا إلى الواقع فإننا نجد بأن فرص التميز تمر مؤشراتها والمعلومات الدالة عليها كل يوم على آلاف من الناس لكن من يستطيع قراءة المعلومة بشكل صحيح هم مئات ومن لديه جرأة اتخاذ القرار لاقتناصها والاستفادة من معطياتها في الوقت المناسب لا يتعدى أصابع اليد الواحدة ومن هنا يأتي مفتاح النجاح لهذه الفئة المعينة.

ومن التحديات التي تواجه وسائل الإعلام للقيام بدورها في توفير المعلومة الصحيحة لصانع القرار تلك العلاقة الجدلية بين الإعلاميين والنخب الذين تتوجه إليهم الوسائل ذاتها في جانب كبير من ممارستها مهما تحدثنا عن دورها في خدمة الفئات المهمشة اجتماعيا في إطار علاقة من الشد والجذب تحكم الطرفين لكل طرف فيه مصلحة يسعى لتحقيقها فالنخب في أحيان كثيرة تسعي لفرض رؤى معينة وتوجيه الرسالة الإعلامية الوجهة التي تريدها والإعلامي يعتبر النخب مصدرا رئيسا من مصادره التي لا غنى له عنها في الوقت الذي يريد فيه أن يقوم بدور تجاه جمهوره دون قيود.

وفي المجال السياسي لا يتوقف دور وسائل الإعلام على توفير المعلومة التي تدفع تجاه الإقناع باتخاذ قرار بعينه ولكن قد يتمثل دورها في حث متخذ القرار على العدول عن قرار يعتزم اتخاذه أو تعديله أو تأجيله وقد تعيد طرح القرار والترويج له مهما كانت درجة الديمقراطية التي يتمتع بها النظام الحاكم فوسائل الإعلام الأميركية التي دعمت سياسة الحكومة وخططها باستخدام القوة العسكرية في كثير من المناطق الملتهبة بداية من الحرب العالمية الأولى وانتهاء بالعراق هي التي شبهته بفيتنام لاحقا وكانت عاملا مهما من عوامل تراجع القوات الأميركية وعزمها الانسحاب. لذا وصفها جورج ريدي السكرتير الصحافي للرئيس جونسون بأنها القوة الوحيدة التي تدخل البيت الأبيض من العالم الخارجي وتمارس عليه قوة مباشرة ولا تتأثر بقنوات الترشيح.