الصور التي وصلتني قبل قليل على بريدي الالكتروني تكاد تكون صنفا من أصناف الخيال العلمي. وحيث يستحيل علي تضمينها هذه المقالة، فأنا سأقوم بشرحها بالطريقة التالية:
ـ الزمن: الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
- المكان: أفغانستان.
- الشخصيات: أفغانية.
- المصورون: مجهولو الهوية.
الصورة الأولى: مدرسة فتيات، في زيهن المدرسي وربما كان زي الكشافة في ذلك الوقت، يقفن في صف أو طابور منتظم وفي قمة أناقتهن وتشع على وجوههن البسمة والأمل. كما أن هناك سورا يحيط بالمدرسة يحسدها عليه أهالي الإمارات في ذلك الزمن. حيث ان معظم الشبان والشابات في العديد من دول المنطقة كانوا ما زالوا يرتادون الكتاتيب وهم في حالة يرثى لها.
الصورة الثانية: مجموعة من الأفغان المدنيين، يقفون في طابور منتظم وفي كامل احتشامهم واحترامهم للتعليمات والانضباط أمام حافلة نقل ركاب (باص) لم تعرفه العديد من دول العالم في ذلك الوقت. وأكثر ما يشد الانتباه في هذه الصورة هو ذلك النظام الذي نفتقده اليوم في انتظار الحافلات، ونظافة الزي وغطاء الرأس المحتشم والتأنق قبل الخروج إلى الأماكن العامة. كما أنه ليس الباص الوحيد الذي سيتقاتل عليه الركاب لأجل الوصول إلى مواقع عملهم، وإنما هناك آخر ينتظر دوره بعده. نحن لم نكتشف مثل هذه الباصات إلا متأخرا. أي أن الأفغان قد سبقونا في الخمسينات بما يقارب العشرين سنة في تقدمهم المدني.
الصورة الثالثة: لجنود أفغان وهم يحملون السلاح، ومن يلقي عليهم نظرة يعتقد لأول وهلة أنهم تابعون لإحدى الدول الغربية المتقدمة، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا، ولكن بالتأكيد ليس أفغانستان!
الصورة الرابعة: لسد مياه ربما يكون سد كاجاكي الذي بني عام 1953 في منطقة هلمند (جنوب أفغانستان) على يد مهندسين وخبراء وشركات أميركية غادرت المنطقة بعد الغزو السوفييتي. وللعلم، فإن هناك اتفاقية مبرمة بين إيران وأفغانستان عام 1972 تنص على تقاسم حصصهما من مياه هذا النهر.
مع العلم بأن السد العالي لم ينته البناء منه إلا في عام 1968! بمعنى أن الأفغان كانوا قد سبقونا إلى بناء السد بأكثر من 15 سنة! ومجرد فكرة الاستفادة من مياه الأنهار والأمطار وتخزينها تدل على تطور حضاري وفكري من الدرجة الأولى لتأمين أهم ضرورة من ضرورات الحياة. وأود الإشارة إلى أن السد الذي نتحدث عنه ليس مجرد سد بسيط شعبي، كما نراه هنا وهناك، وإنما سد بمعنى الكلمة، بكل المواصفات العالمية في التصميم والبناء والدقة في تصريف وحجز المياه.
الصورتان الخامسة والثامنة: تظهر صور من الداخل لمصنعين أحدهما للآلات والآخر للنسيج والتي يبدو أنها انتشرت في أفغانستان في تلك السنوات. ويحتوي كل مصنع على مئات العاملين بزي العمل الرسمي وآلات وأدوات متقدمة مقارنة بما نراه اليوم. إنها تشبه إلى حد ما مصانع الصين في الوقت الحاضر من حيث التنظيم. وهذا يدل على أن أفغانستان كانت في يوم من الأيام دولة صناعية منتجة.
ولا نعلم ما حدث لهذين المصنعين والمصانع الأخرى أو لذلك السد بعد الحرب الأهلية التي مسحت أفغانستان عن وجه الأرض. لقد مثل هذا المصنع وغيره قاعدة هامة لتنمية المجتمع المدني وتوفير فرص العمل لشرائح كبيرة من المجتمع الأفغاني وتشجيع الصناعة المحلية والاعتماد على الذات. واليوم نشاهد الأفغاني على شاشات التلفزيون إما مسلحا ينتظر فريسته أو مقتولا بالجملة في مدن وقرى بعيدة أو جالسا بزيه القومي عاطلا عن العمل وعاجزا عن الإنتاج والمساهمة في بناء بلده الذي دمرته الحروب. ناهيك عن شريحة كبيرة منه تحولت إلى زراعة الخشخاش أو المتاجرة فيه.
الصورة السادسة: متنزه عائلي متواضع يحتوي على بعض الألعاب البسيطة للأطفال، ولكن أكثر ما قد يشد في هذه اللوحة هو قدر الاهتمام الموجه للطفل وبالتالي للإنسان الأفغاني، الذي تحول اليوم إلى مجرد شاة مسلوبة الإرادة تذبح وترمى بعدها للذئاب.
الصور السابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة: تمثل ممرضتين وسيارة جيب كانت تستخدم في الماضي للتنقل بين القرى البعيدة لتقديم الخدمات العلاجية السريعة. هذه الخدمات تعتبر اليوم واحدا من المتطلبات الأساسية في الدول المتحضرة. وكانت موجودة بالفعل في سنوات الخمسينات في أفغانستان. ثم صورة لمختبر طبي يحتوي على أجهزة تبريد خاصة تشبه برادات اليوم لحفظ العينات والدواء. بينما نشاهد أحد العاملين بالمختبر بزي الأطباء وهو يعاين إحدى العينات بحضور اثنتين من الممرضات.
وصورة أخرى تظهر اثنتين من الممرضات في غرفة حضانة الأطفال المولودين حديثا. قمة النظافة والنظام والاهتمام. أما في الصورة التي تليها فإننا نشاهد ممرضة مختصة تشرح للأمهات كيفية العناية بالمولود الجديد. حتى في زمننا الحاضر لا نحصل على مثل هذه الخدمات، فبمجرد خروج الطفل إلى الحياة، تأخذه الأم إلى حيث لا ندري أين ولا كيف يتم الاهتمام به. كما تظهر الصور الأخرى وجود العديد من المعاهد المختصة بتخريج الممرضات والأطباء والمحللين وغيرهم. ترى هل نعلم مدى أهمية صحة الإنسان لنموه الذهني والنمو الذهني للتطور الحضاري والعلمي؟
صورة 12: إحدى الجامعات الأفغانية مع وجود مجموعة من الطلبة والطالبات تشبه إلى حد كبير جامعة القاهرة في نهاية الستينات.
الصور الأخرى: فندق خمس نجوم، سوق شعبي يعرض كميات هائلة من الفواكه والخضراوات (أشك أنها متوفرة هذه الأيام بهذه الوفرة مع تحول الإنسان الأفغاني إما إلى حمل السلاح أو إلى البحث عن عمل). وهناك مقاه على شاكلة مقاهي الشانزليزيه والسانت ميشيل في باريس هذه الأيام. ومحل مبيعات أزياء آخر موضة. مركز اتصالات هاتفية. (أكثر مما هو موجود في كثير من الدول العربية في تلك الفترة بل ربما حتى في وقتنا الحاضر). استوديو ربما يكون لبث البرامج التلفزيونية. لم تعرف دولة الإمارات البث التلفزيوني إلا في السبعينات.
صورة واحدة كانت تكفي لشرح كل ما كتب هنا. المؤلم هو أن تتحول دولة متحضرة في الخمسينات إلى أكثر دول العالم خرابا في نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.
فمن لا يجد نفسه مقتنعا.. فليختر الصور السلبية إذن...
شكرا للأخ الذي بعث لي بها وجنبني الحديث عن تمزق لبنان واليمن والعراق... والقائمة التي تليها....
