تعيش الولايات المتحدة اليوم مرحلة تحول كبرى. فلم تعد الطريقة التي طالما سلكناها في التعامل مع حياتنا أمرا مجديا، ولا تزال معالم الطريقة البديلة غير واضحة. ومع وضع كل مؤسسة منحت الاستقرار للحياة الأميركية موضع التساؤل الآن، يجد الملايين أنفسهم مجبرين على معايشة واقع جديد أكثر قسوة.
وأخيرا، وخلال الذكرى الخامسة لكارثة إعصار كاترينا، والزيارة التي قام بها الرئيس أوباما إلى «نيو أورليانز» ومسيرة «غلين بيك» في واشنطن، وجدت نفسي في غمار مرحلة انتقالية عائلية، حيث أوصلت ابنتي التي ستنتظم في يومها الأول بالدراسة ثم بادرت إلى الاستماع إلى خطاب الترحيب الذي ألقاه «ريك ليفين» رئيس جامعة «يال».
وفي الحقيقة، فقد مس هذا الرجل وترا حساسا بداخلي، وذلك عندما تحدث في خطابه عن مسألة «العبء الناشئ عن المواطنة»، وعن المسؤوليات فيما وراء الرضا عن النفس وتحقيق التقدم الشخصي. فقد حث الجيل المقبل على «رفع مستوى الخطاب العام».
كانت نصيحة عظيمة للملتحقين الجدد بالكلية، ولكنها مفيدة على حد سواء لكل الأميركيين في مختلف المراحل العمرية. وكما تحدثت بالتفصيل في كتابي المقبل عن «أميركا العالم الثالث»، فإن ديمقراطيتنا تخذلنا، ولكي يتم تفعيلها بشكل أكبر فلا بد من إجراء ذلك من أسفل إلى أعلى، وليس نتيجة لما يحدث في واشنطن.
إن ملايين الأميركيين يجبرون على التصرف خارج إطار خبرتهم، من خلال التردي الكبير الذي تعرضت له الطبقة المتوسطة. والمناقشات حول ماهية الحياة الكريمة وما هو ذو قيمة في الحياة، لم تعد مقصورة على حجرات الدراسة.
وفي الوقت الذي لا تزال كلمات «ليفين» يتردد صداها في أذني، سافرت إلى «ناتكت» لحضور حفل عيد ميلاد صديق لي، وفي وقت متأخر من اليوم نفسه التقيت «مايكل ساندل»، وناقشت معه الكثير من الموضوعات نفسها. يعمل «ساندل» أستاذا للدراسات الحكومية في جامعة هارفرد، حيث تجتذب محاضرته حول كتابه «العدالة» اهتمام عدد كبير من المتابعين.
وطرح سؤالا، خلال مناقشاتنا، وأيضا في كتابه الرائع «العدالة» حول ما هو أفضل شيء يمكن القيام به؟، حيث قام «ساندل» بعرض رؤيته حول «حياة أكثر تماسكا ومفعمة بالمدنية على نحو أفضل مما اعتدنا عليه». وتفسيرا للطريقة التي يمكن بها تحقيق ذلك، أورد «ساندل» جزءا من خطاب باراك أوباما في واشنطن، الذي كان موضوعه «دعوة للتجديد» وذلك في يونيو 2006. فقد كان خطابا قويا ومتعمقا روحانيا، والذي تحدث فيه السيناتور أوباما، آنذاك، عن «الدور الذي تلعبه القيم والثقافة في بعض مشكلاتنا الاجتماعية الأكثر إلحاحا»، وعن الحاجة إلى «إدخال الفضيلة في نقاشنا السياسي».
ولكن بشكل عام، ومنذ توليه الرئاسة، فقد أخفق الرئيس في تغذية الاحتياج إلى هدف أكبر في الحياة العامّة، وترك التطلع الأخلاقي والروحاني بعيدا عن الاهتمام. هذه هي الإشكالية الآن، وهي أن الأزمة التي تواجهها أميركا الآن أعمق بكثير مما كانت عندما ألقى السيناتور أوباما خطابه في عام 2006، أو حتى وقت خوض انتخابات 2008.
أما الحضور الهائل أثناء مسيرة «غلين بيك» في واشنطن بمناسبة ذكرى خطاب مارتن لوثر كينغ «لدي حلم»، فإنه يكشف عن الحقيقة التي مفادها أن هذا التوق لم يتم إرضاؤه. وقد ألقى «بيك» خطابه يخلو بشكل واضح من أي بلاغة، وتحدث عن القيم والأخلاقيات، وعن الله وقوة الأفراد على تغيير العالم. وقال: «ظل هذا البلد لمدة طويلة جدا يتخبط في الظلام». فقد قضى مدة طويلة جدا ينتابه القلق من الجراح، ويفكر في الجراح، ويركز على الجراح. واليوم، فإننا بصدد التركيز على الأشياء الطيبة في أميركا، وهي الأشياء التي أنجزناها، والتي يمكننا تحقيقها في الغد».
في عام 2006، حذر السيناتور أوباما من أنه إذا لم يقم التقدميون بمدّ أيديهم إلى المسيحيين الإنجيليين وغيرهم من المتدينين الأميركيين، فإن آخرين سوف يملأون الفراغ. وفي 2010، فإن تراجع الرئيس عن وعده بالدعوة إلى صيغة أعلى من المشاركة المدنية يعني أن الفراغ أهمل خلال هذه المرحلة التاريخية الانتقالية.
وخلال هذه الفترة من الاضطراب الاقتصادي، فقد آن الأوان لإعادة تقييم الطريقة التي نقدر بها الأشياء. يقول «ساندل» في كتابه: «إن المجتمع العادل لا يمكن تحقيقه ببساطة من خلال تضخيم المنفعة، أو من خلال ضمان حرية الاختيار. ولكي يتحقق المجتمع العادل علينا أن ندرك جميعا معنى الحياة الكريمة».
فما اعتقده الكثيرون بأنه وصفات للحياة الكريمة التي يمكن للبلاد أن تحياها في المستقبل، لا يمكن الوصول إليها من خلال الاستهلاك، وفي المستقبل المنظور لن تحققها واشنطن على الأرجح. إن الحياة الكريمة الجديدة لا بد أن يدركها الجميع، ويتم دمجها داخل مجتمعاتنا، وداخل أسرنا.
الحقائق القاسية والأفكار الكبرى. قوس روائي بالنسبة لحياتنا. العبء الناشئ من المواطنة. الآن أصبحت الحياة الأفضل بعيدة عن متناول الكثيرين، وأصبح الأميركيون أكثر تعطشا من ذي قبل إلى التوصل لتعريف جديد للحياة الكريمة. ففي الوقت الذي تمر واشنطن بحالة من الارتباك، يمكننا أن نبادر بعمل من أجل تحويل مجتمعاتنا وحياة أولئك المحيطين بنا. وهذا ما يتعين على باراك أوباما و«غلين بيك» الاتفاق عليه.