انتخب مجلس شورى حركة الإخوان المسلمين السوريين المهندس محمد رياض الشقفة (66) عاماً مراقباً عاماً جديداً بأكثرية ثلثي أعضاء مجلس الشورى، وفاروق طيفور نائباً له، كما انتخبوا مجلس شورى جديداً ضم بعض الأعضاء من المجلس السابق.
وتنحى المحامي علي صدر الدين البيانوني عن مسؤولية المراقب العام بعد أن تولاها لثلاث دورات متتالية (أربعة عشر عاماً)، وأكد هو وغيره أن تنحيته كانت بناء على رغبته.
وقد ترافقت التغييرات الجديدة بإشاعات واسعة تشير إلى انقلاب داخل حركة الإخوان المسلمين، وأنهم اختاروا قيادة أكثر تطرفاً من القيادة السابقة، أو قيادة أقل اعتدالاً إذا لم نشأ الحديث عن التطرف.
ذلك لأن الجماعة شعرت بضرورة إجراء تعديلات داخلية شاملة وجدية وإعادة النظر ببرنامجها وخاصة منه علاقتها بالسلطة السورية.
ولذلك جاءت بالمهندس الشقفة، وكان قائداً عسكرياً في أحداث الثمانينات العنيفة الدامية في سورية والتفجيرات والعمليات الانتحارية التي انتهت إلى أحداث حماة.
وهو ونائبه فاروق طيفور كلاهما من مدينة حماة، وشاركا في الأعمال العسكرية في تلك الفترة، ولابد أن اختيارهما الآن يشكل معنى رمزياً من الصعب تجاهله.
رغم أن المهندس الشقفة صرح فور انتخابه بأنه سيسير على خطى القيادة السابقة، أي نبذ العنف والعمل للانتقال السلمي للسلطة، وكان الشقفة أمضى في العراق حوالي 26 عاماً هارباً من سورية، وهو يعيش في اليمن منذ سنتين.
تحولت جماعة الإخوان المسلمين السوريين تحولاً جذرياً بقيادة المحامي علي صدر الدين البيانوني خلال الأربعة عشر عاماً الماضية، فقد أعلنت برنامجاً جديداً عام 2004 يتضمن أفكاراً وقبولاً بمبادئ وأفكار ومفاهيم وقيم كان قبولها من المحرمات.
فقد جاء في هذا البرنامج الذي ملأ عشرات الصفحات، أن الجماعة تنادي بالحرية والديمقراطية والتعددية وتقبل بصندوق الانتخاب لاختيار الحكومة.
وبالتداول السلمي للسلطة، كما عبر البرنامج عن قبول الجماعة بنتائج الانتخابات والعملية الديمقراطية كائناً من كان من ينجح فيها، وأشار إلى أن الجماعة تهدف لإقامة دولة مدنية بمعانيها ومسمياتها ومكوناتها ومفاهيمها الحديثة.
وأن يكون الإسلام مصدراً من مصادر التشريع لا المصدر الوحيد ولا المرجعية الوحيدة، فالمرجعية الوحيدة التي أقرها البرنامج هي مرجعية المواطنة.
وهي القول الفصل في الحقوق والواجبات لا الدين ولا الطائفة ولا الإقليم ولا غيرها، ودأبوا يؤكدون أنهم بطريقهم لتأليف حزب سياسي يكون كغيره من الأحزاب عندما تسمح لهم الظروف بذلك.
كانت العلاقات سيئة دائماً بين النظام السياسي السوري (البعثي) وبين التيارات الإسلامية ومنها حركة الإخوان المسلمين منذ تولي حزب البعث السلطة عام 1963، وكانت دائماً عنيفة أيضاً، إذ كثيراً ما لجأت التيارات الدينية إلى حمل السلاح والعنف ضد السلطة التي قابلت العنف بمثله.
وقد انفجر الخلاف والتناقض انفجاراً لم تشهد له سورية مثيلاً من قبل في مطلع ثمانينات القرن الماضي، وتحول إلى ما يشبه الحرب الأهلية، وشهدت معظم المدن السورية الكبرى هذا العنف المسلح.
وكانت النتيجة هزيمة الإخوان المسلمين واعتقال الآلاف منهم وخضوعهم لمحاكمات استثنائية وميدانية، ومغادرة آلاف آخرين سورية إلى البلدان العربية الأخرى،.
ثم صدور القانون رقم (49) الذي يقضي بالحكم بالإعدام على كل من يثبت أنه منتسب لتنظيم الإخوان المسلمين أو كان منتسباً قبل صدور هذا القانون، ومازال العمل بالقانون قائماً حتى الآن.
مع فارق أنه منذ تولي الرئيس بشار الأسد السلطة، أصبحت محكمة أمن الدولة، وهي المختصة بمحاكمة الإخوان المسلمين تحكم بالإعدام وتخفف الحكم مباشرة وتلقائياً إلى اثني عشرة عاماً. وعلى أية حال استطاع النظام بنتيجة هذا الصراع اجتثاث تنظيم الإخوان المسلمين من سورية في ذلك الوقت.
جرت اتصالات مباشرة بين النظام السياسي السوري وتنظيم الإخوان المسلمين في تسعينات القرن الماضي، كانت تهدف لتحقيق المصالحة ثم عودتهم إلى سورية، وكان شرط النظام أنه سيقبل عودتهم كأفراد، على أن يتعهدوا بعدم إعادة التنظيم من جديد.
وهذا ما رفضته الجماعة، كما جرت عدة اتصالات أخرى غير مباشرة خلال العشرين عاماً الماضية، أصر كل من الطرفين من خلالها على موقفه. ومع أن حركة الإخوان المسلمين السورية وجهت رسالتين إلى النظام.
إحداهما عندما أصدرت برنامجها المعتدل عام 2004 الذي أشرت إليه، وثانيهما عندما أعلنت الهدنة مع النظام خلال أحداث غزة عام 2009 لئلا يكون موقفها دعماً للسياسة الإسرائيلية.
ولكن النظام لم يستجب لأي منهما وبقي على موقفه الذي لم يغيره قيد أنملة، ولعل ذلك يعود لشعوره بقوة أجهزة الأمن التي يعتمد عليها، وعدم خشيته من تنظيم الإخوان المسلمين الذي يراه أصبح بعيداً عن سورية والشعب السوري وغير فعال في الداخل السوري.
وربما كان موقف النظام هذا هو الذي حرض مجلس شورى الحركة على انتخاب قيادة أقل اعتدالاً من القيادة السابقة، بل أكثر تشدداً منها، بعد أن فشلت سياسة الاعتدال في التوصل إلى اتفاق يعيد الحركة إلى سورية، سواء ناشطيها أم كوادرها أم قياداتها أم حتى تنظيمها.
لاشك أن حركة الإخوان المسلمين السورية أمام مرحلة جديدة، وتعمل لتبني برنامج جديد، وموقف جديد من النظام، وربما كان النظام بدوره يتحفز لتبني موقف جديد بدوره يحسب فيه بعض الحساب لنشاط الحركة المقبل، وليس كما كان الأمر في السنوات القليلة الماضية، عندما كانت سياسة الترقب هي صاحبة اليد العليا لدى كل من الطرفين.
كاتب سوري
odat-h@scs-net.org