تمثل التعديلات الدستورية الأخيرة في تركيا نوعا من الثورة الناعمة التي تغير وجه الحياة السياسية وتعصف بالنخبة التركية القديمة مفسحة المجال لنخبة جديدة تستطيع أن تحصل على تفويض من الشعب نفسه وتنهض بعبء همومه دون أن يكون هناك وسطاء ينصبون أنفسهم حراسا على الشعب ووكلاء عنه ليسوا من اختياره.

هي ثورة ناعمة لأنها ترد ما سلبته الكمالية من الحريات ، وتتيح للأتراك أن يتنفسوا بحرية دون وجل من حراس العلمانية السابقين الذين كانوا يمارسون أقصى درجات البطش بالمجتمع التركي بلا خوف من العقاب..

ويكفي القول أن الأتراك انتظروا نحو 21 عاما (من 9 نوفمبر 1989 وحتى الآن) قبل أن يكون بمقدورهم مساءلة الجنرال كنعان ايفرين قائد انقلاب 12 سبتمبر 1980 والذي أصبح فيما بعد الرئيس السابع للجمهورية التركية.. أو حتى الصراخ في وجهه: لماذا فعلت بنا كل هذا؟؟

ظل الدستور التركي مشوها ويعاني كثيرا من العطب والتعديلات الأخيرة مجرد ترميمات تصلح أسس العلاقة بين الشعب وسلطات الدولة وتحد من تغولها تمهيدا لإصلاحات جذرية أكثر أهمية يعد بها رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء الحالي..

وهو رجل صعدت به أفعاله إلى مصاف الزعماء التاريخيين. إذ يكفي أنه قاد المجتمع لوضع حد لنزق العسكر وللنزق السياسي باسم العلمانية.

الآن لا خوف في تركيا من تكرار جرائم ايفرين.. بل هناك حركة دائبة لإحصاء جرائمه وانزال العقاب المناسب به رغم تهديده بالانتحار وتقول إحصاءات جمعها أورهان كمال جنكيز ونقلها عنه الدكتور إبراهيم البيومي غانم أستاذ العلوم السياسية والخبير بالشؤون التركية أنه تم اعتقال 650 ألف مواطن مات منهم 171 تحت التعذيب وأعدم 49 آخرون منهم، وصدرت أحكام عسكرية على 85 ألف مواطن دون أن تتوافر لهم محاكمة عادلة.

وتم تصنيف ما يصل إلى مليون و683 ألف تركي في ملفات أجهزة الأمن على أنهم شيوعيون أو إسلاميون أو قوميون أو دعاة انفصال للأكراد ، كما سحبت جوازات 348 ألف مواطن وتم تسريح نحو 15 ألف موظف عمومي بناء على تقارير المخابرات العسكرية .

إضافة إلى ذلك أغلقت سلطات ايفرين العسكرية 8 صحف لأكثر من ستة أشهر وأحرقت عشرات الأطنان من الكتب وتم حظر أكثر من 900 فيلم سينمائي من العرض.

التعديلات الأخيرة تحد من تسلط الجهاز القضائي وسطوته المبالغ فيها كما تنزع أنياب العسكر.. إذا ألغت المادة 15 من الدستور التي حصنت كنعان ايفرين ورفاقه طوال الفترة السابقة..

وعدلت المادة 146 وزادت بمقتضى التعديل عدد أعضاء المحكمة الدستورية العليا إلى 17 عضوا بدلا من 11 وجعلت حل الأحزاب السياسية بأكثرية ثلثي أعضاء المحكمة .

كما قيدت سلطات المدعي العام التركي ونزعت منه صلاحية فتح دعوى لحظر حزب إلا بعد موافقة البرلمان ، وقصرت حالات الحل على حالة واحدة وهي ثبوت ممارسة الحزب للعنف ، وذلك بدلا من العبارات المطاطة التي كانت تساق كمبرر لحل الأحزاب في السابق.

إضافة إلى ذلك عززت التعديلات من الحريات الأساسية للأفراد ويكفي أنه أصبح من حق كل تركي أن يطلع على ملفه لدى أجهزة الأمن وتغيير ما فيها من معلومات ليست صحيحة إذا استطاع إثبات ذلك بما لديه من وثائق أو حجج.

على أي حال فإن إعادة حقوق المواطنة والحريات الأساسية للأتراك يفتح الباب واسعا أمام حل المشاكل المزمنة التي تعاني منها تركيا وعلى رأسها المشكلة الكردية.. فقد كان أكراد تركيا من أكثر الشرائح التي تعرضت لظلم تاريخي منذ قيام الثورة الكمالية..

فهل تنجح الثورة الأردوغانية الناعمة في تضميد جراحهم التاريخية وإعادة لحمة المجتمع تمهيدا لنهوض تركي آخر يكون نموذجا للمنطقة بعد أن عدم العرب نموذجا منهم يصلح للاقتداء.