أسعد الآباء والأمهات هذه الأيام فئتان تنز من حولهما الفرحة وتظلهما كغيمة شتاء باردة، الآباء والأمهات الذين يدفعون لأول مرة بصغارهم إلى المدرسة أو الروضة، والأمهات والآباء الذين يرون أبناءهم وبناتهم يعبرون عتبات بوابات الكليات والجامعات. هؤلاء تغبطهم الفرحة لأن الدنيا لا تسع فرحتهم هذه الأيام..

فليست هناك لحظات جميلة أجمل من تلك التي تودع فيها الأم صغيرتها لأول مرة باتجاه المدرسة، تمشط شعرها وتراها بلباس المدرسة، أو تودع ابنها وهي رانية إلى البعيد تمشط ببصيرتها وبصرها مستقبله.

تودعه بالدعاء والتبريكات، وربما تصدح حنجرتها (بزغرودة) تجلل البيت، أو زقاق الحي..فرحة ما بعدها فرحة تغمر قلوب الآباء والأمهات الذين يرون فلذات أكبادهم تخرج في طابور العلم.

أما الآباء والأمهات الذين يودعون أبناءهم وبناتهم عند عتبة الكليات والجامعات، فهؤلاء يشعرون أنهم سلموا الأمانة إلى الوطن، وأنهم أدوا ما عليهم، حيث يبدأ المشوار الحقيقي في طريق التعليم. نغبط هؤلاء جميعا على فرحتهم، وهو يومهم الذي انتظروه.

على النقيض وفي الطرف الآخر هناك آباء وأمهات، يبدو أنهم بحاجة أكثر إلى دروس ومحاضرات ترجعهم إلى صوابهم، أولئك الذين يتعاملون بجهل مع أبنائهم وبناتهم، معتمدين أساليب الترهيب والتشدد والصراخ والزعيق، والتعامل بالعصا الغليظة.

ونذكر هؤلاء أن الفروق الفردية لدى الأبناء والحالات النفسية تختلف بين هؤلاء الصغار، ولا يمكن لأب أو أم أن يسوق أو تسوق ابنها أو ابنتها إلى المدرسة جرا وإرغاما وإكراها، فالانطباع الأول هو الذي يرسخ في عقول ونفسيات هؤلاء الصغار.

من حولنا نرى أطفالا يحبون مدارسهم ويتمنون قضاء أوقات أطول فيها، ومن حولنا أيضا نرى المقابل أطفالا يرهبون المكان ويخافونه.. ويقول علماء التربية والنفس مجتمعين أن اليوم الأول في المدرسة هو أهم يوم في حياة الطالب، إذ تحدث الصدمة الأولى، فإما أن تكون صدمة ايجابية تفتح الأفق أمام الأيام المقبلة، وإما صدمة سالبة تترك أثراً حتى بلوغ الشيخوخة.

نتذكر من حولنا أيضا قصصا وحكايات عن أناس تركوا المدرسة وانقطعوا عنها، ومرت بهم السنين ووجدوا أنفسهم أنهم خسروا محطة مهمة في الحياة، وحينما تسألهم عن الأسباب التي جعلتهم يتركون فيها مدارسهم باكرا، يغصون بالحسرة والندم ويستشهدون بأحداث وتصرفات وأمور واجهتهم في بداية المشوار تركت في نفسيتهم عقدا جعلتهم يرون المدرسة جحيما وقيدا..

الانطباع الأول وكما يشير إلى ذلك دائما علماء التربية هو الذي يؤسس لعمق العلاقة مع المدرسة، ومع العملية التعليمة برمتها، لهذا فعلى كثيرين منا أن يراجعوا أساليب تحبيب وترغيب أبناءهم وبناتهم في المدرسة وحياة العلم، والعمل يبدأ منذ الأول أو اللحظة الأولى.

mhalyan@albayan.ae